عبدالعزيز الهزاع: رائد الكوميديا السعودية الشعبية
في سماء الفن السعودي، لمع نجم عبدالعزيز هزاع الهزاع، المولود عام 1356هـ/1937م والمتوفى في 1445هـ/2024م، كقامة فنية جمعت بين الدراما الإذاعية والتلفزيونية على مدى خمسة عقود. اشتهر بتعدد مواهبه ووصف بـ “جماعة في رجل”، وبات رائدًا للكوميديا الشعبية المرتجلة في المملكة العربية السعودية، حيث تقلد منصب مدير الفنون المسرحية.
نشأة الفنان عبدالعزيز الهزاع
ولد عبدالعزيز الهزاع في مدينة عنيزة بمنطقة القصيم، وعاش طفولة يتيمة. في سن الثانية عشرة، انطلق في رحلة شاقة استمرت شهرين سيرًا على الأقدام إلى مدينة الجبيل بالمنطقة الشرقية، ضمن قافلة. عمل في البداية صبيًا (خادمًا) لقائد الحافلة، ثم في منزله، وبعدها في مزرعته. بعد سنوات، عاد إلى القصيم والتحق بدار الأيتام، حيث حصل على الشهادة الابتدائية، ثم عمل صبيًا في المنازل، ولاحقًا طباخًا، قبل أن يصبح مدرسًا في عنيزة ثم الجبيل، لينتقل بعدها إلى الرياض معلمًا.
عبدالعزيز الهزاع وعالم التمثيل
البداية في أرامكو
عاد عبدالعزيز الهزاع إلى المنطقة الشرقية، وتحديدًا إلى مدينة رحيمة (رأس تنورة)، حيث عمل في شركة الزيت العربية السعودية أرامكو السعودية في مكتب قياسات الزيت. هنا، بدأت رحلته في عالم التمثيل، حيث كانت شخصية البدوي أول شخصية يتقمصها، مستوحاة من بدوي كان يتردد على مكتب الشركة. أضاف إليها أصواتًا مختلفة، حتى وصل عدد الأصوات التي يؤديها إلى 17 صوتًا، بما في ذلك المؤثرات الصوتية. لاحقًا، قدم مسرحية “بدوي في الطائرة”، التي تعد من أبرز أعماله.
التمثيل أمام الملك سعود
أثناء عمله مدرسًا في مدينة الجبيل، زار الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود الجبيل عام 1373هـ/1953م، وأقيم حفل في المدرسة التي يعمل بها الهزاع. طلب منه التمثيل أمام الملك، ويتذكر الهزاع في مقابلة تلفزيونية كيف كان يؤدي من خلف الستار، ويصدر أصواتًا مختلفة لشخصيات متعددة. أثار هذا إعجاب الملك، الذي دعاه للتمثيل في قصره بالدمام أمام أفراد من الأسرة المالكة، ثم طلب منه البقاء معه. لاحقًا، كان الملك يدعوه للحضور إلى القصر عند استقبال ضيوف من الرؤساء والزعماء العرب، مثل الملك الأردني الحسين بن طلال، والملك العراقي فيصل الثاني.
الشهرة المحلية والخليجية
في احتفال أقيم على شرف ملك العراق فيصل الثاني في قاعدة الملك عبدالعزيز الحربية بالرياض، ساهم عبدالعزيز الهزاع بتقديم عروض من خلف الستار، مما أثار إعجاب الملك سعود وضيفه. أدى ذلك إلى سفره إلى العراق وتقديم تمثيلية “بدوي في الطيارة” أمام الأسرة الحاكمة بقصر الرحاب، والتي سجلت للإذاعة والتلفزيون العراقي. حققت مسرحية “بدوي في الطيارة” شهرة واسعة محليًا وفي الخليج العربي، وترسخ مكانة الهزاع كرائد للكوميديا الشعبية المرتجلة في السعودية.
الانتقال إلى الكويت والعودة إلى الرياض
في الستينات الميلادية، انتقل الهزاع إلى دولة الكويت وعمل موظفًا في قطاع الإعلام الكويتي لفترة، ثم عاد إلى الرياض للعمل في الإذاعة السعودية.
شخصية “أم حديجان”
بداية التعاون مع الإذاعة
بدأ تعاون عبدالعزيز الهزاع مع الإذاعة السعودية عام 1374هـ/1954م، من خلال المسلسل الإذاعي “يوميات أم حديجان”، وهي شخصية نسائية اشتهر الهزاع بأدائها الصوتي المميز، بالإضافة إلى بقية الأصوات في المسلسل. حقق المسلسل صدى واسعًا، وأصبح الناس يحرصون على متابعة حلقاته بعد المغرب. استمر الهزاع في أداء شخصية “أم حديجان” لأكثر من 60 عامًا، وكان يرتجل السيناريو مع كتابة رؤوس أقلام للقصة.
فريق العمل
أخرج المسلسل في البداية الراحل سعيد الهندي، ثم عبدالرحمن المقرن، ثم حمد الصبي، ثم محمد الشعلان، فعبدالله الطهطام. تناول المسلسل قضايا اجتماعية مختلفة بقالب كوميدي هادف.
أعمال أخرى
بالإضافة إلى “بدوي في الطيارة” و”يوميات أم حديجان”، قدم عبدالعزيز الهزاع أعمالًا أخرى مثل “طريق المحبة”، و”وسع صدرك”، و”المسامح كريم”، وغيرها من الأعمال الفنية التي عالجت قضايا اجتماعية.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
في يوم الاثنين 9 شعبان 1445هـ/19 فبراير 2024م، رحل عبدالعزيز الهزاع عن عمر يناهز 86 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا عظيمًا سيظل خالدًا في ذاكرة الفن السعودي. رحلة فنان بدأت من القصيم إلى آفاق الشهرة، لتجسد قصة نجاح ملهمة، فهل سيستمر هذا الإرث في إلهام الأجيال القادمة من الفنانين؟











