تثليث: محافظة التاريخ والآثار تحكي قصة حضارة عريقة
تعتبر محافظة تثليث، الواقعة في الجنوب الغربي من المملكة العربية السعودية وإدارياً تتبع منطقة عسير، سجلاً حافلاً بالتاريخ والآثار التي تشهد على عراقة المنطقة وازدهار حضارتها. هذه البقعة من الأرض، التي تحتضن ضفاف وادي تثليث، ليست مجرد محافظة كبيرة المساحة في عسير، بل هي مركز استراتيجي لقبائل قحطان وقبائل عربية أخرى استوطنت الجزيرة العربية منذ القدم.
تثليث في كتب التاريخ
اسم تثليث تردد في صفحات التاريخ القديم والتراث، حيث ذكرها البكري في “معجم ما استعجم”، وياقوت الحموي في “معجم البلدان”، والهمداني في “صفة جزيرة العرب”، وغيرهم. هذه المراجع التاريخية وصفت تثليث كبلد غني بالماء والقرى والسكان، ومحطة هامة للقوافل القادمة من شرق اليمن وحضرموت ونجران في طريقها إلى الحج.
قبائل استوطنت تثليث
استوطنت تثليث قبائل عربية عريقة مثل بني عقيل وبني نهد من قضاعة، بالإضافة إلى قبائل مذحج القحطانية، ومنها قبيلة مراد من زبيد، التي ينتمي إليها الصحابي الجليل والشاعر الفارس عمرو بن معد يكرب الزبيدي. كان عمرو يسكن تثليث عندما أشرق نور الإسلام، فسارع إلى لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم معلناً إسلامه. امتلك عمرو حصنًا ونخلاً في تثليث، كما ذكرت المصادر التاريخية، وكان له سيف شهير باسم “الصمصامة”. وقد ورد اسم تثليث في العديد من أشعاره.
الاستقرار في تثليث
كان أهل تثليث من أوائل من طبقوا فكرة الاستقرار، أو ما يعرف بالهجر، خارج منطقة نجد في عام 1333هـ تقريبًا. هجرات المدينة والغزالة والنقرة تعتبر النواة الأولى لمركز محافظة تثليث الحالي، الذي يضم جميع الدوائر الحكومية. تثليث اليوم هي محافظة حيوية على ضفتي وادي تثليث، حيث تحيط بها المزارع وأشجار النخيل، ويحرص أهلها على مواكبة التطور مع الحفاظ على تراثهم العريق.
تثليث عبر العصور
تثليث قديماً كانت جزءًا من بلاد بني عقيل، ووصفها الهمداني بأنها وادٍ في نجد على بعد يومين من جرش شرقاً وثلاث مراحل من نجران، وأشار إلى أنها كانت مسكناً لعمرو بن معد يكرب الزبيدي. ولا تزال المواضع التي ذكرها في شعره معروفة بأسمائها القديمة حول تثليث.
الآثار في وادي تثليث
وادي تثليث كان ولا يزال موطنًا للحضارة والاستقرار، وتشهد على ذلك الآثار المنتشرة في أرجاء الوادي وروافده. هذه الآثار تعود إلى عصور مختلفة، بدءًا من العصور الجاهلية الأولى، مرورًا بصدر الإسلام، وصولًا إلى عصور متأخرة. تشمل الآثار بقايا جدران حجرية، وأطلال قلاع وحصون طينية، وسدود من الحجر والطين والرمال، ومقابر جماعية، وآبار جاهلية، وجداول مياه، وآثار تعدين لاستخراج المعادن مثل الذهب والحديد والرصاص والفضة. كما تنتشر في جبال تثليث الكتابات والنقوش الحميرية والسبأية التي تعكس حضارة مزدهرة.
مستوطنة برودان الأثرية
في وسط حوض تثليث، بالقرب من منهل برودان (البردان سابقًا)، توجد آثار مستوطنة قديمة لم يبق منها إلا الأطلال والرسوم. تتميز جدرانها الدائرية التي كانت شائعة قديماً، حيث كانوا يتحاشون المباني المربعة التي تضاهي شكل البيت الحرام. المنطقة الأثرية التي تبعد حوالي 25 كم جنوب مدينة تثليث الحالية، يُعتقد أنها كانت المركز الحضاري الأول لوادي تثليث.
تثليث محطة القوافل
كانت تثليث محطة هامة للقوافل المتجهة من شمال وشرق اليمن وحضرموت ونجران إلى الحجاز والشام في الجاهلية والإسلام. وقد وصف الهمداني في “صفة جزيرة العرب” محجة حضرموت، مشيرًا إلى ثلاث محطات رئيسية هي الجعيفرة (الجعفرة حاليًا)، وتثليث قرب منهل برودان، وجاش القديمة.
طبيعة وادي تثليث
وادي تثليث هو من أكبر وأطول الأودية الشرقية لسلسلة جبال السروات، يمتد من غرب ظهران الجنوب حتى وادي الدواسر، بطول يتجاوز الأربعمائة كيلومتر، ويرفده أكثر من ستين وادياً. الأودية الثلاثة الرئيسية التي ترفد تثليث هي وادي الثفن، وادي جاش، ووادي الرسين، وربما كانت هذه الأودية الثلاثة سبباً في تسمية تثليث بهذا الاسم.
أسباب ازدهار تثليث
وادي تثليث كان ولا يزال مكانًا ملائمًا للحضارة والاستقرار، وذلك بسبب وفرة المياه، وخصوبة التربة، واتساعها، واعتدال المناخ.
معالم أثرية في تثليث
تضم تثليث العديد من المعالم الأثرية الهامة، منها:
- قلعة الجعيفرة: تقع بين الحمضة والأمواه، وتبعد 75 كم عن مدينة تثليث. كان سكانها من أسرتي عاديان وسقم من قبائل مذحج القحطانية. توجد في الموقع أطلال بيوت حجرية، وأسوار، وسدود، وآبار قديمة.
- نجد الرحى: يقع على بعد 5 كم شرق برقاء جاش في أعلى شعيب العاصد، وهو عبارة عن أطلال بيوت حجرية قديمة، وأواني حجرية كالرحى والصحون، وآبار منحوتة في الصخور ربما كانت مناجم قديمة لاستخراج المعادن الثمينة.
- أبو ديام: يقع غرب بلدة جاش على بعد 5 كم تقريبًا، ويضم أطلال غرب قديمة ومسجد صخر كبير في الجبل القريب منه. كان للصحابي عمر بن معد يكرب حصن ونخل في جاش.
- جرف علياء: يقال إنه كان المكان المفضل لعلياء التي أحبها زيد الهلالي في قصص السيرة الهلالية.
و أخيرا وليس آخرا
تثليث، بتاريخها العريق وآثارها الشاهدة، تظل رمزاً للحضارة الضاربة في جذور التاريخ. فهل ستظل هذه المحافظة قادرة على الحفاظ على هذا الإرث الثقافي الغني، وهل ستنجح في نقله إلى الأجيال القادمة كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية؟
المصادر :
بوابة السعودية











