حاله  الطقس  اليةم 24.4
مرتفعات وودلاند,الولايات المتحدة الأمريكية

استكشاف البرك التاريخية: ممر الحضارات ونقطة عبور استراتيجية

بوابة السعودية
أعجبني
(0)
مشاهدة لاحقا
شارك
استكشاف البرك التاريخية: ممر الحضارات ونقطة عبور استراتيجية

البرك التاريخية: رحلة عبر الزمن وشاهد على عبور الصديق إلى الحبشة

تُعد محافظة البرك، الواقعة على ساحل البحر الأحمر ضمن منطقة عسير، كنزًا حضاريًا يروي قصصًا تمتد لآلاف السنين. تحتضن هذه البقعة الجغرافية إرثًا تاريخيًا غنيًا يعود إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، وتتجلى عراقتها في معالمها الأثرية البارزة. فمن سورها الشهير الذي تجاوز عمره 800 عام، إلى مسجد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وصولًا إلى النقوش الصخرية القديمة ومواقع التنقيب الأثرية، تقدم البرك نافذة فريدة على حقب زمنية متعددة، مؤكدة مكانتها كنقطة عبور محورية وتجمع حضاري عريق.

عراقة البرك: من برك الغماد إلى ممر الحضارات

لطالما احتفظت محافظة البرك بتاريخ حافل، إذ ذكرها العديد من المؤرخين والجغرافيين القدماء بأنها “برك الغماد”. ويصفها ياقوت في معجمه بأنها “موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر”، مما يؤكد أهميتها التاريخية والجغرافية كمحطة بارزة على الطرق التجارية القديمة وربما كملجأ استراتيجي. هذا العمق التاريخي لا يقتصر على المراجع القديمة فحسب، بل يتجسد في معالمها المادية التي لا تزال صامدة حتى اليوم، لتشهد على تعاقب الحضارات والأحداث الكبرى التي مرت بهذه المنطقة.

مسجد الخليفة أبي بكر الصديق: إرث الهجرة إلى الحبشة

يُعد مسجد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أحد أبرز المعالم التاريخية في محافظة البرك. بمساحة تبلغ 90 مترًا مربعًا، وعلى بعد حوالي 300 متر من الطريق الدولي، يحمل هذا المسجد قصة تاريخية عميقة. يشير الباحث عبد الرحمن آل عبده إلى أن بناء المسجد يعود إلى عهد الخليفة الصديق، وذلك تخليدًا لمروره بالبرك أثناء هجرته إلى أرض الحبشة. هذه الرواية تمنح المسجد بعدًا روحيًا وتاريخيًا فريدًا، رابطة إياه بواحدة من أهم الهجرات في التاريخ الإسلامي. بالقرب من المسجد، تقع بئر المجدور التاريخية، بعمق 9 أمتار وعرض لا يتجاوز المترين، والتي كانت وما زالت المصدر الرئيسي للمياه العذبة في البرك، على الرغم من قربها من البحر الأحمر، ورافدًا مهمًا لري الحدائق والأشجار.

كنوز البرك المكتشفة: جهود التنقيب تكشف المستور

في السنوات الماضية، أجرت فرق بحثية مشتركة من المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة عمليات تنقيب أثرية في عدة مواقع بمحافظة البرك والمراكز التابعة لها. وقد كشفت هذه الجهود عن إرث تاريخي عريق تزخر به المحافظة، ونتج عنها العثور على العديد من القطع الأثرية النادرة التي تسلط الضوء على تاريخ المنطقة الممتد عبر العصور. وقد كانت هذه الاكتشافات بمثابة تأكيد ملموس على القيمة التاريخية التي تحتضنها هذه الأرض.

فريق التنقيب السعودي البريطاني: استكشاف أعماق الماضي

أوضح الدكتور ضيف الله العتيبي، رئيس الفريق السعودي البريطاني للتنقيب عن آثار ما قبل التاريخ في سواحل عسير، أن الفريق، الذي يعمل تحت مظلة الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، قام بمسح جزيرة فرسان والسواحل الجنوبية الغربية للمملكة. وقد تركز نطاق العمل في العام الماضي على موقع دبسا بمحافظة البرك بمنطقة عسير، والذي يعود إلى فترة ما قبل التاريخ. استكمل فريق التنقيب عمله في موقع دبسا الأثري بجمع المعثورات وفحصها ودراستها وتصنيفها في متحف عسير، مسجلين ملاحظات مثيرة للاهتمام حول الظواهر الأثرية والطبيعة الجيولوجية للموقع. وقد تم عرض نتائج هذا العمل على أمير منطقة عسير آنذاك، الأمير فيصل بن خالد بن عبد العزيز، الذي قدم توجيهاته وملاحظاته القيمة للفريق.

جبل العش: سجل طبيعي للنقوش القديمة

تزخر البرك بالعديد من المعالم والنقوش التاريخية التي تؤكد عراقة المكان وأهميته التاريخية والاقتصادية لشبه الجزيرة العربية على مر آلاف السنين. ومن أبرز هذه المعالم جبل العش، أو كما يُعرف محليًا “جبل أم عش”، الذي يحتضن نقوشًا تاريخية مكتوبة بالخط المسند القديم. يقع هذا الجبل على ساحل البحر الأحمر، على الضفة الجنوبية لمصب وادي الداهن، ويبعد حوالي 10 كيلومترات جنوب المحافظة.

كنوز النقوش في جبل العش: دلالات اجتماعية واقتصادية

كشفت دراسة أجراها الدكتور سعيد بن فايز السعيد، أستاذ التاريخ والآثار بجامعة الملك سعود، بعنوان “نقوش عربية جنوبية قديمة من البرك”، عن اكتشاف أكثر من 14 نقشًا على قطع حجرية في سفح وقمة الجبل الجنوبية، بالإضافة إلى نقوش أخرى في الجهة الشمالية. وأشارت الدراسة إلى وجود محاجر قديمة ربما استُغلت في أغراض التعدين، وبقايا مسجد حجري في الجزء الجنوبي الغربي من الجبل تحيط به دوائر حجرية يُرجح أنها استُخدمت لحجر المواشي. يصف الدكتور السعيد هذه النقوش بأنها أُنجزت ببراعة ودقة، مما يدل على أن كتّابها لم يدونوها على عجل، بل كان هناك تفنن في الخط وتناسق في الحروف. ورجح أن معاني تلك النقوش تشير إلى أسماء أشخاص ذوي مكانة اجتماعية رفيعة أو ألقاب وصفات مميزة، منها ما يدل على مناصب دينية أو إدارية، كما وردت كلمة “حرت” التي فُسرت بمعنى “معسكر”، مما يشير إلى أن من ذُكروا في النص قد عسكروا وأقاموا في هذا المكان لأغراض تجارية.

السور الأثري: درع البرك في مواجهة الزمن

يُعد السور الأثري في البرك معلمًا تاريخيًا بارزًا لا يزال يقاوم عوامل الزمن والتوسع العمراني، رغم تأثر بعض أجزائه. يقع هذا السور وسط محافظة البرك، وتحيط به عدد من القلاع التي شُيدت في أوائل عام 629 هـ (1231 م)، ثم أُعيد ترميمه في عام 704 هـ (1304 م)، وتوالت عليه الترميمات والإضافات لعدة عقود متتالية. يصف الباحث المتخصص في تاريخ البرك عبد الرحمن بن عبد الرحيم آل عبده موقع السور بالاستراتيجي، حيث يرى القادم من الجهة الشمالية الجانب الشمالي من السور بوضوح، وهو يمتد من الغرب إلى الشرق بين مبنى المحافظة الحالي ومبنى حرس الحدود، على أرض مرتفعة بحوالي 20 مترًا عن سطح البحر.

تفاصيل السور وحامياته: نظام دفاعي متكامل

يشتمل هذا الجزء من السور على البوابة الرئيسية الشمالية، وبجانبها بقايا غرف يُعتقد أنها كانت للحراسات والتفتيش والمراقبة، أو لتحصيل الرسوم الجمركية من القادمين عبر البر. وعند حافة السور من الجهة الشمالية مباشرة، توجد بحيرة تُسمى “الشراعة”، ربما استُغلت قديمًا كشرك طبيعي لإعاقة محاولات اقتحام السور. يتميز السور بوجود فتحات للمراقبة والرماية، يصل عددها إلى حوالي 92 فتحة، بالإضافة إلى 5 غرف حاميات دائرية الشكل للحراسة، وحامية أخرى في الجهة الجنوبية تُسمى “المحصنة” ذات أربع نوافذ كانت تُستخدم للمراقبة. ويروي كبار السن عن وجود ممرات قديمة كانت تمر من تحت السور، تربط بين شاطئ البحر الأحمر وبئر المجدور، حيث كان الصيادون يجلبون مياه الشرب عبر هذه الأنفاق لتزويد مراكبهم.

قصور البرك وحصونها: شواهد على ماضٍ مجيد

يشير آل عبده إلى العديد من القصور التاريخية والحصون الأثرية في محافظة البرك، أبرزها الحصن الأثري الذي يطل على مصب وادي ذهبان، ويبعد 15 كيلومترًا جنوب المحافظة. لا تزال بقايا آثاره من الناحية الشرقية واضحة للزائر، ويبدو أنه كان مكونًا من عدة طوابق، ويُشابه في طرازه وأسلوب بنائه سور البرك وحامياته. يُشرف هذا الحصن على بساتين النخيل والمرفأ والطريق البري الذي كان يسلكه الحجاج والتجار، وقد دُفن الجزء الغربي منه بسبب زحف الرمال، ليبقى شاهدًا على أهمية البرك كمركز تجاري وممر للحجاج.

و أخيرًا وليس آخراً

لقد كشفت لنا رحلتنا في أحضان البرك التاريخية عن غنى لا يقدر بثمن في منطقة عسير. من قصص هجرة الصحابة الكرام عبر هذه الديار، إلى النقوش التي تحتفظ بأسماء شخصيات ذات مكانة، مرورًا بالأسوار والحصون التي صمدت في وجه الزمان، وصولاً إلى جهود التنقيب الحديثة التي تزيح الستار عن كنوز ما قبل التاريخ. البرك ليست مجرد محافظة على ساحل البحر الأحمر، بل هي سجل حي يروي فصولاً من تاريخ شبه الجزيرة العربية، وشاهد على تقاطع الحضارات والتجارات والأحداث الكبرى. فهل ما زالت هذه الأرض العريقة تخبئ المزيد من الأسرار في طياتها؟ وما هي الدروس التي يمكن أن نستلهمها من ماضيها العظيم في تشكيل مستقبلها؟ تبقى البرك رمزًا للعراقة، تدعونا للتأمل في عمق التاريخ الذي تحتضنه كل حبة رمل فيها.