مسجد الإجابة: معلم أثري في رحاب مكة المكرمة
مكة المكرمة، حاضنة التاريخ الإسلامي، تزخر بعشرات المساجد الأثرية التي تجسد عظمة السيرة النبوية. ومن بين هذه المعالم يبرز مسجد الإجابة كأحد أقدم وأعرق المساجد في أم القرى، حيث تشير الروايات التاريخية إلى أنه يعود إلى زمن قدوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة. يقع المسجد في شعب بالقرب من ثنية ذاخر وحي المعابدة، على يسار الطريق المتجه إلى منى.
تاريخ مسجد الإجابة
أجمع المؤرخون على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى في هذا الموضع، لكنهم لم يذكروا اسم المسجد صراحة كما هو متعارف عليه اليوم. المؤرخون القدماء، مثل الأزرقي والفاكهي، حددوا مكانه وأشاروا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه، دون تحديد وقت أو نوع الصلاة. في زمن الأزرقي، كان الموقع يُعرف بشعب آل قنفذ، وقبله بشعب اللئام، وهو اليوم شعبة الإجابة، ويقع على يسار المتجه من منى إلى مكة المكرمة.
أصل تسمية المسجد
سبب تسمية المسجد بالإجابة غير معروف على وجه التحديد، ومتى أُطلق عليه هذا الاسم. ذكر الفاسي (ت 823هـ) المسجد بعد وصفه بأنه خارج مكة المكرمة قرب ثنية أذاخر. يعود سبب الغموض إلى انقطاع التدوين التاريخي لمكة المكرمة بين زمني الأزرقي والفاسي، مما أدى إلى عدم معرفة بداية ظهور هذا المسمى وسببه.
العناية والإهمال عبر التاريخ
حظي المسجد في فترات معينة بالعناية والاهتمام من قبل الأمراء والسلاطين والمحسنين، كونه من المساجد التي يُذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى فيها. وفي فترات أخرى، عانى المسجد من الإهمال والانصراف عنه، ويعزى ذلك إلى موقعه الذي كان إلى زمن قريب خارج الحدود العمرانية لمكة المكرمة. فالمعابدة لم تكن متصلة بمكة المكرمة إلا قبل نحو قرن من الزمن، وكانت حدود المدينة العمرانية الشمالية الشرقية تنتهي عند مقبرة المعلاة تقريبًا، مع العلم أن المعابدة تقع ضمن حدود الحرم المكي الشريف.
وصف لحالة المسجد
ذكر الفاسي أن المسجد كان متخربًا ومتهدم الجدران، كما أشار النهروالي (ت 988هـ) إلى أنه عُمِّر ثم تهدم، ووصف محمد هيكل حالته في عام 1355هـ بأنها غير جيدة ويخلو من الفرش والاهتمام. في المقابل، ذكر الفاسي أنه وجد حجرًا يؤرخ لعمارته عام 720هـ من قبل عبد الله بن محمد، ويوجد الآن ثلاثة أحجار عند بابه الرئيس تؤرخ لعمارته في فترات أخرى.
ترميمات وعِمارة المسجد
يشير الحجر الأول إلى عمارته عام 898هـ، وربما هي العمارة التي عناها النهروالي، بينما يؤرخ الحجر الثاني إلى عمارته بأمر السلطان أحمد عام 1124هـ. ويؤرخ الحجر الثالث إلى عمارته الأخيرة القائمة الآن عام 1422هـ على نفقة إبراهيم بن عبد الله العنقري.
وثائق عثمانية وعمارة المسجد
تشير الوثائق العثمانية المحفوظة في الأرشيف العثماني إلى أن المسجد عُمِّر أيضًا في عام 1261هـ، وبلغ مجموع عمارته 1697 قرشًا و36 بارة، واستخدم في عمارته الخشب الجاوي وخشب العرعر.
مسجد الإجابة في العصر الحديث
في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، وتحديدًا في عام 1394هـ، بلغت مساحة المسجد 400 متر مربع. وفي عمارته الأخيرة عام 1422هـ، وصلت مساحته إلى 510 أمتار مربعة، علمًا بأن مساحته قُدّرت في زمن الفاسي بـ 103 أمتار مربعة. ذكر الأزرقي في القرن الثالث أن الحضارمة ينزلون فيه في أيام الموسم، بينما استنكر الفاسي في القرن التاسع سبب زيارة الناس له في أول سبت من شهر ذي القعدة من كل عام. وأشار النهروالي في القرن العاشر إلى أن أبناء البادية ينزلون بالقرب من المسجد ويولونه بعض العناية والاهتمام.
المصادر
بوابة السعودية
و أخيرا وليس آخرا:
مسجد الإجابة في مكة المكرمة يظل شاهدًا على حقبة تاريخية هامة، ورغم ما مر به من فترات ازدهار وتدهور، يبقى معلمًا بارزًا يثير التساؤلات حول تاريخه وتسميته، ويدعونا إلى التأمل في عظمة التراث الإسلامي. هل سيشهد المسجد المزيد من الاهتمام في المستقبل، وهل ستكشف الأيام القادمة المزيد عن تاريخه الغامض؟











