سنوات من الذاكرة: كيف اكتسبت أشهر السنوات السعودية أسماءها؟
في الذاكرة السعودية، تحتل سنوات معينة مكانة خاصة، لا يمكن تجاوزها أو نسيانها لما شهدته من أحداث بارزة. العديد من هذه السنوات تحمل أسماء مميزة، ولكن ما الدافع وراء تسميتها بأسماء مثل “الرحمة”، “الغبار”، أو “الدبدبة”؟
لماذا سُميت السنوات بأسماء؟
في الماضي، كان الناس يعتمدون بشكل كبير على الذاكرة لتسجيل الأحداث، وكان اهتمامهم الأكبر مُنصبًا على تأمين معيشتهم اليومية أكثر من تعلم القراءة والكتابة. لذا، كانت أسهل طريقة لتذكر هذه السنوات هي إطلاق أسماء عليها، وهكذا اكتسبت أشهر السنوات السعودية أسماءها التي نعرفها اليوم.
سنة السبلة
سُميت نسبة إلى معركة السبلة التي وقعت في 30 مارس 1929م (1347هـ) بين مملكة الحجاز ونجد بقيادة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وقوات الإخوان بقيادة فيصل الدويش وسلطان الدين بن بجاد بن حميد في روضة السبلة. انتهت المعركة بانتصار الملك عبد العزيز. والإخوان هم من البدو الذين استقروا في الهجر بعد تركهم حياة البادية. أما عن أسباب الحرب، فقد أراد الملك عبد العزيز إدخال إصلاحات لتحديث البلاد، الأمر الذي عارضه الإخوان الذين استمروا في غزو القبائل العراقية، مما جعل الحرب الخيار الوحيد أمام الملك عبد العزيز.
سنة الدبدبة
على الرغم من انتصار الملك عبد العزيز في معركة السبلة عام 1347هـ، إلا أن الفتنة لم تنتهِ، واستمر نشاط الإخوان في المناطق الحدودية المتاخمة للأراضي السعودية. وفي عام 1348هـ، تحرك الملك عبد العزيز بجيش كبير نحو الحدود الشمالية عبر الدهناء والصمان للقضاء عليهم. سُميت هذه السنة بسنة الدبدبة نسبة إلى غزوة الدبدبة أو نسبة إلى الموقع الجغرافي الذي شهد هذه الأحداث.
سنة الجوع
عُرفت أيضًا باسم سنة السلاق، وقد حلّت في عام 1909م (1327هـ)، حيث عمّ الجوع مناطق نجد كافة، وارتفعت الأسعار ونقصت المؤن. وقد أدى ذلك إلى وفاة العديد من الناس، معظمهم من الأطفال، واضطر الناس إلى تناول الأعشاب الجافة والجلود والعظام ونوى التمر والخوخ وحتى النعال والأحذية المصنوعة من الجلد وغيرها من المخلفات الجافة بعد طبخها. وكان الأطفال يبحثون في الشوارع عن نوى التمر لامتصاصها للتخفيف من جوعهم الشديد.
سنة الجدري
انتشر الجدري في أكثر من سنة، وأشهرها عام 1939م (1358هـ). وبسبب انتشاره الواسع وغياب العلاجات، توفي الكثير من الناس، وفقد بعضهم بصرهم نتيجة لذلك.
سنة الدبا أو الجراد
أُطلقت هذه التسمية على سنوات مختلفة شهدت غزو أسراب الجراد، منها سنة 1307هـ وسنة 1325هـ. وكانت سنة الجراد الأبرز هي سنة 1349هـ، حيث غزت أسراب الجراد منطقة القصيم خلال فصل الربيع. ومن السنوات البارزة أيضًا سنة 1364هـ، التي فتك فيها الجراد بمعظم المحاصيل، وتلوثت المياه ببيضه.
سنة الحصبة
كانت في عام 1330هـ، وهي السنة التي أُصيب فيها الأطفال بمرض الحصبة. ينتشر هذا المرض بين الأطفال في سنواتهم الأولى، وقد تفشى بينهم في تلك الفترة بسبب عدم وجود التطعيمات.
سنة الثلج
في عام 1973م (1392هـ)، استيقظ سكان الرياض على سقوط الثلج بعد ثلاثة أيام متواصلة من الأمطار، وتزامن ذلك مع ضباب كثيف حد من مستوى الرؤية. ويُقال أن تراكم الثلوج وصل إلى 20 سنتيمترًا في الدرعية، ما أدى إلى إغلاق المدارس.
سنة الجرب
كانت في عام 1340هـ، حيث انتشر الجرب في مناطق مختلفة، خاصة في نجد، ولم يكن هناك علاج أو مصل لتطعيم الناس، مما أدى إلى وفاة عدد كبير منهم.
سنة الرحمة
تُعرف أيضًا بـ “سنة السخونة”، وكانت في 1919م (1337هـ)، حيث انتشر وباء في نجد يُقال إنه الكوليرا، وأدى إلى إصابة الناس بارتفاع شديد في درجة الحرارة، وتوفي عدد كبير منهم نتيجة لعدم وجود العلاج. سُميت هذه السنة بالرحمة لأن الناس كانوا يترّحمون على موتاهم ويتفاءلون برحمة الله.
سنة الغبار
كانت في عام 1942م (1361هـ)، حيث هبّت رياح تحمل الغبار على المناطق، خاصة في حائل، وكان لون الغبار أحمر حتى أنه حجب الشمس لبضعة أيام.
سنة الهدام
عُرفت أيضًا بسنة الغرقة أو طوفان نجد الكبير، وكان ذلك عام 1956م (1376هـ)، حيث أغرقت الأمطار المنطقة، واستمرت بالسقوط لمدة 58 يومًا، ما أدى إلى فيضان الأودية وحاصرت السيول البيوت الطينية، وهرب الناس من المدن والقرى ولجأوا إلى الأماكن المرتفعة.
سنة الكسوف
سُميت كذلك بسنة الظلمة، وكان ذلك عام 1371هـ، حيث حدث كسوف تام للشمس في المملكة، وعمّ الظلام.
سنة الشهّاقة
كانت في عام 1360هـ، وقد سُميت أيضًا بسنة جبار تفاؤلًا بالخير الذي عمّ فيها عكس ما حدث في السنوات التي سبقتها. ففي هذه السنة، نما زرع كثير على الرغم من قلة الأمطار، فالأرض جُبرت بكثرة الزرع. وسميت هذه السنة أيضًا بسنة الشهاقة، حيث أُصيب عدد كبير من الأطفال بمرض في الجهاز التنفسي سُمي بالشهاقة لما يخرج فيه من أصوات تشبه الشهيق، مع سعال شديد.
سنة جهيمان العتيبي
وهي السنة التي دخل فيها جهيمان العتيبي المسجد الحرام عند صلاة الفجر في الأول من محرم عام 1400هـ/1979م، وقدم صهره محمد بن عبد الله القحطاني على أنه المهدي المنتظر. وطلب من جموع الناس مبايعته، والذين بقوا محاصرين عدة أيام، حتى تمكنت قوات الأمن من اقتحام المسجد وتحرير الناس والقبض على جهيمان وجماعته المكونة من 61 شخصًا، وقد حُكم عليهم بالإعدام، بمن فيهم العتيبي.
و أخيرا وليس آخرا
تعكس هذه الأسماء تاريخًا حيًا من الذاكرة الجمعية، وتحمل في طياتها قصصًا عن التحديات والصعاب التي واجهها الأجداد، وكيف تغلبوا عليها بالصبر والإيمان. فهل ستظل هذه الأسماء محفورة في ذاكرة الأجيال القادمة، وهل ستستمر في تذكيرنا بقيم الصمود والتكاتف؟











