نظام حزم: ريادة سعودية في إدارة القتال البحري
يمثل نظام حزم نقلة نوعية في منظومة الدفاع البحري للمملكة العربية السعودية، كونه أول نظام عسكري بحري سعودي متكامل لإدارة القتال. لقد جاء إطلاق هذا النظام، الذي يجسد طموح المملكة نحو توطين الصناعات العسكرية وتعزيز قدراتها الدفاعية، ليضع أسسًا جديدة للجاهزية القتالية البحرية في المنطقة. ففي خضم التحديات الجيوسياسية المتزايدة، بات امتلاك تقنيات متطورة كهذه ضرورة استراتيجية لضمان أمن الحدود البحرية وحماية المصالح الوطنية، مما يبرز الأهمية البالغة لمثل هذه المبادرات التقنية الدفاعية.
نشأة نظام حزم وأهدافه الاستراتيجية
تم الكشف عن نظام حزم لأول مرة في الملتقى البحري السعودي الدولي الذي استضافته العاصمة الرياض في 27 ربيع الأول 1441هـ الموافق 24 نوفمبر 2019م. لم يكن هذا الإعلان مجرد تدشين لتقنية جديدة، بل كان إشارة واضحة على التوجه الاستراتيجي للمملكة نحو بناء قدرات دفاعية ذاتية متطورة. يتميز نظام حزم بتكامله الفريد، حيث يجمع بين عدة أنظمة حيوية هي: نظام الاتصالات المتكامل، نظام التحكم بإطلاق النار، نظام إدارة المنصات المتكاملة، نظام إدارة القتال، ونظام التدريب، مما يضمن كفاءة عالية وتنسيقًا سلسًا في بيئة العمليات البحرية المعقدة.
يُعد بناء هذا النظام جزءًا محوريًا من برنامج “سامي نافانتيا” المشترك، وهو ثمرة التعاون الاستراتيجي بين الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) وشركة نافانتيا الإسبانية (Navantia S.A). ضمن إطار مشروع “أفانتي 2200″، جرى تصميم نظام حزم بعناية فائقة ليلبي الاحتياجات التشغيلية الدقيقة للقوات البحرية الملكية السعودية، إضافة إلى قوات حلفائها. وقد جرى تطويره بنهج مبتكر عبر نقل التقنية المتقدمة من شركة نافانتيا الإسبانية، مع الاستفادة من خبرتها في نظام القتال “كاتيز” الخاص بها. هذا النقل التقني لم يقتصر على الاستيراد، بل شمل التوطين والتمكين، مما يعكس الرؤية بعيدة المدى للمملكة في مجال الدفاع.
توطين الصناعات العسكرية: ركيزة أساسية لرؤية المملكة
يساهم نظام حزم بشكل فعال في تلبية المتطلبات المتزايدة للقوات البحرية الملكية السعودية في مجال أنظمة القتال البحرية، خصوصًا ضمن سفن كورفيت “أفانتي 2200”. تعد هذه الشراكة بين “سامي” و”نافانتيا” حجر الزاوية في مسعى المملكة لتوطين الصناعات العسكرية. تسعى شركة سامي نافانتيا السعودية الإسبانية إلى تحقيق هدف طموح يتمثل في توطين ما يقارب 50% من الصناعات العسكرية في الأنظمة البحرية بحلول عام 2030م. هذا المسعى لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل بناء كوادر وطنية مؤهلة ونقل المعرفة والخبرات، مما يعزز الاستقلالية والقدرة على الابتكار.
مشروع سامي نافانتيا: نحو ريادة إقليمية في الأنظمة القتالية
تتبنى شركة سامي نافانتيا، وهي مشروع مشترك بين الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) وشركة نافانتيا الإسبانية (Navantia S.A)، رؤية طموحة لتصبح شركة إقليمية رائدة في تطوير أنظمة القتال المتكاملة. لم يقتصر دور سامي نافانتيا على مجرد تجميع الأنظمة، بل شمل توفير أجهزة استشعار ومفاعلات متطورة، وأنظمة تكاملية معقدة، بالإضافة إلى إدارة البرمجيات اللازمة.
كما قدمت الشركة دعمًا لوجستيًا متكاملًا (ILS) وبرامج تدريب متخصصة، بهدف بناء وتطوير المنتجات المتعلقة بهذه الأنظمة داخل المملكة العربية السعودية. يمثل هذا التوجه استثمارًا في البنية التحتية الصناعية والبشرية، ويعكس التزامًا راسخًا بتعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاع الدفاعي.
مشروع السروات ونظام حزم: تجسيد عملي للقدرات الوطنية
تجسيدًا لهذه الرؤية، دشنت شركة سامي نافانتيا مشروع السروات في مدينة سان فرناندو بمملكة إسبانيا. يتميز هذا المشروع بتجهيزه بالكامل بـ نظام إدارة القتال السعودي حزم، والذي شهد جهودًا مكثفة من الكفاءات الهندسية السعودية داخل الشركة لتطويره ودمجه بكفاءة في سفن المشروع. هذا الدمج يعكس القدرة الوطنية على الابتكار والتنفيذ العملي، ويؤكد على الكفاءة الهندسية السعودية.
تضمن مشروع السروات بناء خمس سفن من طراز كورفيت “أفانتي 2200” لصالح القوات البحرية الملكية السعودية. هذه السفن تحمل أسماء ملكية تعكس الفخر الوطني وهي: سفينة جلالة الملك الجبيل، وسفينة جلالة الملك جازان، وسفينة جلالة الملك حائل، وسفينة جلالة الملك الدرعية، وأخيرًا سفينة جلالة الملك عنيزة. يتمتع نظام العمل في سفن مشروع السروات بقدرات فائقة تمكنها من التعامل مع مختلف أشكال الحروب الإلكترونية، والتصدي للتهديدات السطحية وتحت السطحية، فضلًا عن مواجهة التهديدات الجوية بكافة أنواعها، مما يجعلها دروعًا بحرية متقدمة لحماية المياه الإقليمية.
و أخيرا وليس آخرا: آفاق مستقبلية للريادة الدفاعية
لقد تناولنا في هذه المقالة رحلة نظام حزم، من فكرة طموحة إلى واقع ملموس يعزز القدرات الدفاعية للمملكة العربية السعودية. رأينا كيف يمثل هذا النظام ثمرة تعاون استراتيجي وتوطين للتقنية، وكيف يجسد رؤية المملكة في بناء صناعة عسكرية وطنية مستدامة. إن مشروع السروات، بتزويده الكامل بنظام حزم، لا يقدم مجرد سفن حربية متطورة، بل يقدم نموذجًا للتكامل بين التكنولوجيا العالمية والخبرات الوطنية. فهل سيستمر هذا الزخم ليضع المملكة في مصاف الدول الرائدة عالميًا في ابتكار وتصنيع أنظمة الدفاع البحري، ويسهم في تشكيل مستقبل الأمن الإقليمي والدولي؟











