تطوير البنية التحتية في السعودية: رؤية متكاملة نحو المستقبل
تُعرف البنية التحتية في السعودية بأنها الاستثمارات الرأسمالية المادية الموجهة نحو المرافق والخدمات الأساسية، وتشمل الطرق، والنقل، والاتصالات، والمياه، والصرف الصحي، ومحطات الطاقة، والسكك الحديدية، والموانئ، والمطارات. تتكون البنية التحتية من قطاعات اقتصادية واجتماعية وإدارية، وتُعتبر من الأصول والمرافق العامة التي تقدم خدمات مباشرة أو غير مباشرة للمواطنين.
لمحة تاريخية عن الاهتمام بالبنية التحتية في السعودية
منذ تأسيس المملكة العربية السعودية، أولت الحكومة اهتماماً بالغاً بتطوير البنية التحتية، خاصة المرافق العامة، وتحسين الخدمات الحكومية، وذلك من خلال خطط التنمية الخمسية المتعاقبة. بدأت هذه الجهود بالخطة الخمسية الأولى (1390-1395هـ / 1970-1975م) التي شهدت إنفاق حوالي 80 مليار ريال، في حين وصلت المصروفات في الخطة الخمسية الثانية إلى 700 مليار ريال، أي ما يقارب تسعة أضعاف ميزانية الخطة الأولى.
تأسيس البنية التحتية في عهد الملك عبدالعزيز
اهتم الملك عبدالعزيز آل سعود، بتأسيس البنية التحتية التي تخدم المواطنين في جميع أنحاء البلاد. من أولى المبادرات كانت تأسيس المؤسسة العامة للخطوط الحديدية عام 1366هـ / 1947م، تبعها تدشين انطلاقة السكك الحديدية في السعودية عام 1370هـ / 1951م.
البنية التحتية في برنامج التحول الوطني ورؤية 2030
يعمل برنامج التحول الوطني في السعودية على تطوير البنية التحتية الضرورية وتهيئة البيئة المناسبة للقطاعين العام والخاص وغير الربحي لتحقيق رؤية السعودية 2030. يركز البرنامج على تحقيق التميز في الأداء الحكومي، دعم التحول الرقمي، المساهمة في تنمية القطاع الخاص، تطوير الشراكات الاقتصادية، تعزيز التنمية المجتمعية، وضمان استدامة الموارد الحيوية.
صندوق البنية التحتية الوطني
في عام 1443هـ / 2021م، أعلن صندوق التنمية الوطني عن تأسيس صندوق البنية التحتية الوطني، الذي حظي بموافقة مجلس الوزراء. يهدف الصندوق إلى تعزيز مشاريع البنية التحتية وتمكين القطاع الخاص من الاستثمار فيها، ودعم مشروعات تصل قيمتها الإجمالية إلى 200 مليار ريال على مدى عشر سنوات.
مشاريع تطوير البنية التحتية في السعودية
مع إطلاق برامج رؤية السعودية 2030، بدأت مشاريع ضخمة ومتعددة في مجال البنية التحتية في مختلف القطاعات. شمل برنامج التحول الوطني مبادرات لصيانة وتشغيل مشاريع البنى التحتية بالشراكة مع القطاع الخاص، وتعزيز ربط السعودية عالمياً بالمراكز السكانية وسلاسل القيمة التجارية والصناعية عن طريق رفع أداء قطاع الخدمات اللوجستية.
الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية
أُطلقت الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية في عام 1442هـ / 2021م، بهدف تعزيز مكانة السعودية كمركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث، والارتقاء بخدمات ووسائل النقل، وتعزيز التكامل في منظومة الخدمات اللوجستية وأنماط النقل الحديثة لدعم التنمية الشاملة.
ترتكز الاستراتيجية على تطوير البنى التحتية، وإطلاق العديد من المنصات والمناطق اللوجستية، وتطبيق أنظمة تشغيل متطورة، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص. تستهدف الاستراتيجية رفع تصنيف السعودية إلى المرتبة الخامسة عالمياً في حركة النقل الجوي، ومضاعفة الطاقة الاستيعابية لقطاع الشحن الجوي لتصل إلى أكثر من 4.5 ملايين طن سنوياً.
في قطاع النقل البحري، تهدف الاستراتيجية إلى الوصول إلى طاقة استيعابية تزيد على 40 مليون حاوية سنوياً.
توفر الخطوط الحديدية خدمات نقل الركاب والبضائع عبر شبكة يبلغ طولها 5,330 كم، بما في ذلك 450 كم في مسار قطار الحرمين السريع. تسعى الاستراتيجية لزيادة أطوال السكك الحديدية المستقبلية إلى نحو 8,080 كم، بما في ذلك مشروع الجسر البري بطول يتجاوز 1300 كم، الذي ستتجاوز طاقته الاستيعابية 3 ملايين مسافر وشحن أكثر من 50 مليون طن سنوياً.
إطلاق أعمال البنية التحتية لمشروع رؤى المدينة
في عام 1444هـ / 2022م، أُعلن عن إطلاق أعمال البنية التحتية والمخطط العام لمشروع رؤى المدينة في المنطقة الشرقية من المسجد النبوي الشريف. يهدف المشروع، الذي تنفذه شركة رؤى المدينة القابضة، إلى إنشاء 47 ألف وحدة ضيافة بحلول عام 2030، إضافة إلى ساحات مفتوحة ومناطق خضراء لتيسير وصول الزوار إلى المسجد النبوي، مع تخصيص 63% من مساحة المشروع للمناطق المفتوحة والمساحات الخضراء.
النقل العام بمدينة الرياض
تعتبر مشاريع البنية التحتية في السعودية نقلة نوعية في التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة. يُعد مشروع الملك عبدالعزيز للنقل العام بمدينة الرياض أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في العالم، بطاقة استيعابية قصوى تبلغ 4.5 ملايين راكب يومياً. يشمل المشروع شبكة نقل عام متطورة تتكون من 87 مساراً لحافلات الرياض، و6 مسارات لقطار الرياض، و84 محطة قطار منتشرة في أنحاء العاصمة.
مشاريع البنى التحتية للنقل
توسعت السعودية في مشاريع البنى التحتية للنقل لربط المدن والمجتمعات في مختلف المناطق، حيث أُنشئت طرق بأكثر من 71,500 كم، إضافة إلى تطوير طرق مفردة بأكثر من 49 ألف كم، وطرق ترابية ممهدة بنحو 144 ألف كم. يبلغ مجموع أطوال السكك الحديدية أكثر من 5,500 كيلومتر، تنقل خلالها أكثر من 10 ملايين راكب و20 مليون طن من البضائع سنوياً، بالإضافة إلى 29 مطاراً تشمل 5 مطارات دولية.
وقد ساهم تطوير البنية التحتية للنقل عبر السكك الحديدية في تحقيق إنجازات كبيرة. ففي النصف الأول من عام 2024، تجاوز عدد المسافرين 5.1 ملايين مسافر عبر قطارات سار، بزيادة قدرها 17% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023. ووصل إجمالي عدد الرحلات إلى 17.2 ألف رحلة. كما تجاوز حجم المعادن والبضائع المنقولة عبر الشبكات 13.26 مليون طن، بزيادة 9% عن الفترة نفسها من عام 2023، مما أدى إلى إزاحة أكثر من مليون رحلة شاحنة عن الطرق السريعة. خلال موسم حج عام 1445هـ، نُقل 2.2 مليون حاج عبر قطار المشاعر المقدسة على متن 2,206 رحلات، واستقل قطار الحرمين السريع أكثر من مليون مسافر عبر 3,895 رحلة.
تطوير البنية التحتية لقطاع الثروة السمكية
يُعد البرنامج الوطني لتطوير قطاع الثروة السمكية استراتيجية شاملة لتطوير القطاع وتعزيز دوره الاقتصادي والتنموي المستدام. أطلقت وزارة البيئة والمياه والزراعة 5 مبادرات لتطوير القطاع، منها مبادرة تطوير البنية التحتية لدعم التجمعات البحرية ومبادرة تطوير البنية التحتية لدعم الاستزراع المائي، بهدف الوصول إلى إنتاج 600 ألف طن من الأسماك بحلول عام 2030.
هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية “إكسبرو”
تشكلت هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية “إكسبرو” لتعزيز العمل المؤسسي في قطاع البنى التحتية. تهدف الهيئة إلى الارتقاء بجودة المشروعات والأصول والمرافق، وتخطيط البنية التحتية، والبرامج والمبادرات الممولة من الميزانية العامة، ومتابعة تنفيذ الجهات الحكومية لبرامجها، والإسهام في تحقيق كفاءة الإنفاق.
تطوير البنية التحتية لقطاعات جودة الحياة في السعودية
يُعد برنامج جودة الحياة من برامج رؤية السعودية 2030 الفاعلة في قطاع البنى التحتية، حيث يُعنى بتطوير البنية التحتية لقطاعات جودة الحياة المختلفة، مثل الرياضة، والثقافة، والتراث، والفنون، والترفيه، والسياحة، والقطاع البلدي، والقطاع الأمني.
يتكامل دور هذا البرنامج مع برنامج التحول الوطني في تأسيس البنية التحتية اللازمة من خلال الارتقاء بالرعاية الصحية، وتحسين مستويات المعيشة والسلامة، وضمان استدامة الموارد الحيوية، وتعزيز التنمية المجتمعية، وتمكين فئات المجتمع من دخول سوق العمل، والإسهام في تمكين القطاع الخاص، وتطوير القطاع السياحي والتراث الوطني.
تطوير البنية التحتية الرقمية في السعودية
تتضمن مشاريع البنية التحتية في السعودية البنية التحتية الرقمية. صنفت السعودية ضمن أفضل 10 دول متقدمة في العالم في هذا المجال. عملت السعودية على وضع استراتيجية خمسية في هذا المجال ضمن عدة خطط عمل، وتطمح إلى تقديم خدمات حكومية رفيعة المستوى بحلول عام 2030، وأن تُصنّف ضمن المراتب العشرة الأولى في مجال الحكومة الرقمية.
حققت السعودية تقدماً كبيراً في تأسيس البنية التحتية الرقمية، واحتلت مرتبة عالمية متقدمة في هذا القطاع. في عام 2024، حققت المركز الثاني على دول مجموعة العشرين للمرة الثانية على التوالي في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي يقيس التطور الرقمي وتقدم الدول في خدمات الاتصالات والتقنية.
تطوير البنية التحتية للقطاع السعودي الثقافي
شمل تطوير البنية التحتية أيضاً القطاع الثقافي في ظل تنفيذ مشاريع رؤية السعودية 2030، حيث شهد القطاع تطوراً لافتاً مع استحداث 11 هيئة ثقافية مختلفة و16 قطاعاً فرعيًّا، تهدف إلى النهوض بالبُنى التحتية الخاصة بالقطاعات الثقافية، وتمكين القطاع الخاص من الاستثمار فيها.
تضمنت مشاريع البنية التحتية الثقافية تطوير المكتبات العامة، وإنشاء متاحف وطنية، والترخيص لأكثر من 200 متحف خاص، وتأهيل وتشغيل متاحف أخرى، وتطوير قطاع الأفلام، وإنشاء أكاديمية للفنون التقليدية ومعهد للموسيقى.
البنية التحتية للطاقة
أعلنت أرامكو السعودية في ديسمبر 2021 عن صفقة كبرى لشبكة أنابيب الغاز بقيمة 15.5 مليار دولار، مع ائتلاف عالمي بقيادة شركة بلاك روك للأصول الثابتة وشركة حصانة الاستثمارية، وتمثّل الصفقة إحدى كبرى صفقات البنية التحتية للطاقة في العالم.
تحسين البنية التحتية بالقطاع السياحي
أنشئت مشاريع ضخمة في القطاع السياحي، وأُسست هياكل تنظيمية ومؤسسية كما في حالة إطلاق شركة السودة للتطوير في منطقة عسير في عام 2021، باستثمارات متوقعة تتجاوز 11 مليار ريال، بهدف الاستثمار في البنية التحتية وتطوير قطاعي السياحة والترفيه.
أعدت هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية دليلاً لإدارة المشاريع، يُعدّ مرجعًا وطنيًّا لضبط وحوكمة مشاريع البنية التحتية التابعة للجهات العامة، ليكون مرجعًا شاملاً لإدارة مشاريع البنية التحتية بجميع مراحلها في 16 مجلدًا.
و أخيرا وليس آخرا
إن تطوير البنية التحتية في السعودية يمثل ركيزة أساسية لتحقيق رؤية 2030، وتعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي وعالمي في مختلف المجالات. من خلال الاستثمارات الضخمة والمشاريع الطموحة، تسعى السعودية إلى بناء مستقبل مزدهر ومستدام لأجيالها القادمة. هل ستنجح المملكة في تحقيق طموحاتها وتجاوز التحديات المستقبلية؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.











