تحويل النفط إلى كيميائيات: رؤية المملكة 2030
يمثل تحويل النفط إلى كيميائيات في السعودية برنامجًا استراتيجيًا طموحًا، أطلقته أرامكو السعودية إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في تصنيع المواد الكيميائية. تهدف هذه المبادرة إلى ترسيخ مكانة أرامكو كشركة عالمية متكاملة في مجال الطاقة والكيميائيات، لتتبوأ مركز الريادة في هذا القطاع الحيوي.
وتماشيًا مع جهودها الرامية إلى تعظيم الاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة، تتبنى أرامكو السعودية استراتيجية طموحة لتحويل أربعة ملايين برميل يوميًا من النفط الخام إلى مواد كيميائية ذات قيمة مضافة عالية.
برنامج تحويل النفط إلى كيميائيات
البداية والتحول
استنادًا إلى قدراتها المتميزة وشبكة مراكز الأبحاث التابعة لها، شرعت أرامكو السعودية في تنفيذ برنامج تحويل النفط إلى كيميائيات في عام 2006م. بدأت المرحلة الأولى بالتركيز على أبحاث تكسير الغاز الخفيف (غير المصاحب) المكثف، ثم تطورت الجهود لتشمل استخدام أنواع أخرى من اللقيم، مثل الزيت الخام العربي الخفيف والخفيف جدًا، بهدف توسيع نطاق الخيارات المتاحة.
مبادرات التطوير والابتكار
في عام 2016م، حققت فرق البحوث والتطوير التابعة لأرامكو إنجازات بارزة، حيث طورت مبادرات مبتكرة لاستخلاص قيمة إضافية من خلال تبني تقنيات جديدة. قامت الشركة بتحسين عملية التكسير الحراري للنفط الخام باستخدام نظام متطور من الوسائط الكيميائية. بالإضافة إلى ذلك، أجرت فرق البحوث والتطوير دراسات وتجارب ناجحة على أربعة خيارات تتعلق بمعالجة النفط الخام واستخدام الوسائط الكيميائية لتحسين جودة المهذبات (معالجة النفط الخام للحصول على النفتا الثقيلة) لإنتاج البنزول، والتولوين والزايلين.
براءات الاختراع
يشهد على كفاءة برنامج تحويل النفط الخام إلى مواد كيميائية العدد المتزايد لبراءات الاختراع التي حصلت عليها أرامكو السعودية في هذا المجال، حيث بلغ مجموعها حتى الآن حوالي 50 براءة اختراع.
الطلب المتزايد على المواد الكيميائية
يعتبر برنامج التحويل الحراري للنفط الخام إلى مواد كيميائية من بين المسارات البحثية الأكثر تقدمًا في هذا المجال. وفي هذا السياق، أبرمت أرامكو السعودية في عام 2017م اتفاقية تطوير مشتركة مع شركة شيكاجو بريدج آند أيرون (المعروفة الآن باسم ماكديرموت) وشركة شيفرون لوموس جلوبال، بهدف تسريع وتيرة تطوير وتجربة هذه التقنية المبتكرة.
أهمية قطاع التكرير والمعالجة والتسويق
مع التوسع المطرد في قطاع التكرير والمعالجة والتسويق، تبرز المواد الكيميائية كأسرع قطاعات الطلب على النفط الخام نموًا في الوقت الحالي. وتتيح تقنيات تحويل النفط الخام إلى مواد كيميائية زيادة حجم إنتاج الكيميائيات ذات القيمة العالية، مع تقليل الآثار السلبية الناجمة عن انبعاثات الكربون المرتبطة باستخدام النفط المنتج.
التحفيز والفصل
يهدف هذا البرنامج إلى الانطلاق من النفط الخام والبحث عن أفضل وأقصر الطرق لاستخلاص المواد الكيميائية مباشرة، وذلك من خلال التطورات التي تحققت في مجال وسائط التحفيز والفصل، بهدف تحويل نسبة تتراوح بين 70% و 80% من كل برميل نفط إلى مواد كيميائية بطريقة تنافسية وفعالة.
زيادة مستوى إنتاج المواد الكيميائية
تتمثل إحدى الطرق الفعالة لتحسين هذه العملية في تحقيق التكامل الأمثل بين عمليات التكرير الحالية، بهدف الحصول على كميات أكبر من المواد الكيميائية لكل برميل من النفط. ويتضمن ذلك إدخال تعديلات على التقنيات والعمليات القائمة والمثبتة في مجمع التكرير المتكامل، لزيادة مستوى إنتاج المواد الكيميائية لكل برميل من النفط من النسبة المعتادة التي تتراوح ما بين 8% و12% لتصل إلى 50%. وتعد الشراكة الاستراتيجية بين أرامكو السعودية وسابك في مجال تحويل النفط الخام إلى كيميائيات مثالًا بارزًا على هذا النهج المتكامل.
التحديات والعوامل الحاسمة
عادةً ما يستغرق تطوير التقنيات التي تنفذها أرامكو السعودية في برنامج تقنية تحويل النفط الخام إلى مواد كيميائية عقدًا من الزمن. ومع ذلك، يؤكد فريق هذا البرنامج على وجود عاملين رئيسيين لضمان نجاح البرنامج وتحقيق أهدافه الطموحة.
اتفاقية ثلاثية لتعزيز التسويق
بهدف تعزيز تقنية تحويل النفط الخام إلى منتجات كيميائية بالتكسير الحراري وتسويقها على نطاق واسع، تم توقيع اتفاقية ثلاثية في يناير 2018م بين شركة أرامكو السعودية للتقنيات، وشركتي سي بي آند آي، وشيفرون لوماس جلوبال سي إل جي.
مجمع تحويل النفط إلى كيميائيات في ينبع
في 23 صفر 1440هـ الموافق 1 نوفمبر 2018م، أعلنت أرامكو السعودية والشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) عن اختيار مدينة ينبع لتكون موقعًا لمجمعهما الصناعي المتكامل لتحويل النفط الخام إلى كيميائيات.
وفي النصف الأول من عام 2018م، أرست أرامكو السعودية وسابك عقدي إدارة المشروع وتنفيذ الأعمال الهندسية الأولية على شركتي وود وكي. بي. آر.
القدرة الإنتاجية
يقدر استهلاك المشروع العملاق بنحو 400 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، وذلك لإنتاج حوالي 9 ملايين طن من المواد الكيميائية سنويًا. ومن المتوقع أن تبدأ أعمال التشغيل خلال عام 2025م، مما يجعله مشروعًا استراتيجيًا يصب في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030.
اتفاقية تطوير وتعاون مشترك
في إطار حرصها على تطوير تقنيات الإنتاج في مختلف أعمالها، عملت أرامكو السعودية على تحقيق قيمة مضافة أكبر من خلال ابتكار تطبيقات لاستخدامها في الأغراض الكيميائية. وفي هذا السياق، وقعت شركة أرامكو السعودية للتقنيات في يناير 2019م اتفاقية تطوير وتعاون مشترك مع شركتي أكسنز، وتيكنيب إف إم سي، بهدف تسريع عملية تطوير تقنية الشركة لتحويل النفط الخام إلى كيميائيات بالتحفيز الكيميائي، وتسويقها على نطاق تجاري واسع.
برنامج تحويل السوائل إلى كيميائيات
مع التطور المتسارع في تقنيات التحويل، بدأت أرامكو السعودية في استخدام مصطلح “تحويل السوائل إلى كيميائيات” بدلًا من “تحويل النفط إلى كيميائيات”، حيث عرّفت السوائل بأنها النفط الخام، والمكثفات، وسوائل الغاز الطبيعي.
شراكة استثمارية في الصين
في رجب 1443هـ الموافق مارس 2022م، أعلنت أرامكو السعودية عن الدخول في شراكة استثمارية لتطوير منشأة متكاملة تضم مصفاة رئيسة ومجمعًا للبتروكيماويات في شمال شرق الصين، بهدف تطوير مجمع تحويل السوائل إلى كيميائيات، وذلك من خلال المشروع المشترك “أرامكو هواجين للبتروكيماويات” الذي أنشئ في ديسمبر 2019م، ومن المتوقع أن يبدأ تشغيله في عام 2024م.
توسيع القدرة التحويلية
في عام 2022م، كشفت أرامكو السعودية عن خططها الطموحة لتوسيع قدرة تحويل ما يصل إلى 4 ملايين برميل يوميًا من السوائل إلى كيميائيات، بهدف خلق قيمة إضافية ومستدامة من برميل النفط. ويعد أول استخدام واسع النطاق لتقنية تحويل النفط الخام إلى بتروكيماويات بالتكسير الحراري في مركز (إس – أويل) للصناعات التحويلية في كوريا الجنوبية.
و أخيرا وليس آخرا
تعكس هذه المبادرات والخطط الطموحة رؤية بوابة السعودية في تنويع مصادر الدخل وتعزيز مكانة المملكة كمركز عالمي رائد في قطاع الطاقة والكيميائيات. فهل ستنجح هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافها المنشودة في ظل التحديات الاقتصادية والبيئية المتزايدة؟











