حاله  الطقس  اليةم 13.9
مرتفعات وودلاند,الولايات المتحدة الأمريكية

رحلة رائد التنوير السعودي: أحمد السباعي من مكة إلى العالمية

بوابة السعودية
أعجبني
(0)
مشاهدة لاحقا
شارك
رحلة رائد التنوير السعودي: أحمد السباعي من مكة إلى العالمية

رائد التنوير السعودي: مسيرة أحمد السباعي وأثره الخالد

يُعد أحمد بن محمد السباعي (1323هـ/1905م – 1404هـ/1984م) أحد الرواد الأوائل الذين أثروا المشهد الثقافي والفكري في المملكة العربية السعودية، حاملًا لواء التنوير في فترة مفصلية من تاريخ البلاد. لم يكن السباعي مجرد كاتب وقاص وصحفي، بل كان شخصية محورية أرسى دعائم نهضة فكرية شاملة، مما أكسبه لقب “شيخ الصحافة السعودية”. تمتد بصماته من تأسيس أول مسرح سعودي والإشراف على فرق تمثيلية، إلى الدعوة الجريئة لتعليم المرأة، مرورًا بإسهاماته البارزة في تأليف المناهج الدراسية وتوثيق تاريخ مكة المكرمة العريق. إن سيرة هذا الرائد السعودي تتجاوز الإنجازات الفردية لتمثل قصة تطور ثقافي ومجتمعي بأسره.

نشأة متعلمة ومسيرة تعليمية رائدة

ولد أحمد السباعي وترعرع في قلب مكة المكرمة، مهد الحضارة الإسلامية، حيث بدأ رحلته المعرفية في الكُتّاب ومجالس علماء الشريعة بالمسجد الحرام، محصلاً قسطًا وافرًا من العلم الشرعي وحفظ القرآن الكريم. التحق بعد ذلك بالمدرسة الراقية في مكة المكرمة، ثم شد الرحال إلى الإسكندرية بمصر، ملتحقًا بمدرسة الأقباط العليا التي درس فيها عامين دراسيين. هذه الرحلة التعليمية المتنوعة، بين الأصالة والمعاصرة، شكلت وعيه المبكر وفتحت آفاقه الثقافية.

عاد السباعي إلى مسقط رأسه حاملًا شغفه بالتعليم، حيث عمل معلمًا في المدارس التحضيرية والابتدائية. وبفضل كفاءته وتفانيه، ترقى ليتولى منصب مدير مدرسة الفائزين، ليصبح بذلك أحد الركائز الأساسية في تطوير المنظومة التعليمية الناشئة في المملكة آنذاك.

السباعي وريادة المناهج التعليمية

كان أحمد السباعي شغوفًا بالأدب والكتابة، وقد بدأت مؤلفاته ترى النور للمرة الأولى عبر صفحات صحيفة صوت الحجاز. هذا الشغف قاده إلى إنجاز تاريخي بتأليف سلسلة “سلم القراءة العربية” في ستة أجزاء. هذا العمل المبتكر لاقى استحسانًا كبيرًا من قبل المسؤولين في مديرية المعارف آنذاك، مما أدى إلى إصدار قرار رسمي بتدريس الكتاب في جميع مدارس المملكة. وبذلك، أصبح “سلم القراءة العربية” أول منهج دراسي موحد في تاريخ التعليم السعودي، مؤكدًا الدور المحوري الذي لعبه السباعي في صياغة الأجيال القادمة.

مساهماته في الصحافة والإعلام

لم يقتصر إسهام أحمد السباعي على التعليم والأدب، بل كان ركيزة أساسية في بناء صرح الصحافة السعودية. بدأ مسيرته الصحفية كمحرر في صحيفة صوت الحجاز، وسرعان ما تدرج في المناصب ليصبح مديرًا للصحيفة، ثم رئيسًا لتحريرها وإدارتها. هذه التجربة الثرية صقلت خبراته الإدارية والصحفية، ومهدت له الطريق لإطلاق مشروعه الإعلامي الخاص.

بعد مغادرته صحيفة صوت الحجاز، انضم إلى وزارة المالية كمفتش، لكن شغفه بالإعلام لم يفارقه. وبعد فترة، عاد إلى الميدان الصحفي ليؤسس صحيفة الندوة، ثم أتبعها بتأسيس مجلة قريش، والتي سبقها بإنشاء دار قريش للطباعة والصحافة. هذه الإنجازات جعلت منه قطبًا إعلاميًا، وساهمت في إثراء الساحة الثقافية والإعلامية في المملكة. وقد نال عضوية العديد من الجمعيات والمشاريع البارزة، منها عضويته في مؤسسة مكة للطباعة والإعلام.

حلم المسرح: رؤية السباعي وتحديات الواقع

كان أحمد السباعي من أوائل من أدرك أهمية المسرح كمرآة تعكس المجتمع وتطلعاته. تأثر السباعي بالمسرح المصري، لا سيما أعمال يوسف وهبي، خلال زياراته المتكررة للقاهرة بصفته مطوفًا للحجاج المصريين. وقد زرع هذا التأثر في نفسه رغبة عارمة في تأسيس مسرح سعودي يعكس البيئة المحلية وقيمها الأصيلة، في وقت كان فيه المسرح الحقيقي غائبًا، باستثناء بعض الاجتهادات المدرسية المتواضعة.

في عام 1961م، وبعد تشجيع من محيطه الثقافي، تقدم بطلب إلى وزارة الإعلام للحصول على موافقة لتأسيس مسرح على أرض يمتلكها في حي جرول بمكة المكرمة. جاءت الموافقة في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود، ليبدأ السباعي على الفور في بناء دار أطلق عليها اسم “دار قريش للتمثيل القصصي”.

جهز السباعي المسرح بلوحات فنية ضخمة وديكورات مبتكرة، واستقطب ممثلين موهوبين من المدارس، ووفر جميع الأدوات اللازمة للأداء المسرحي. حتى أنه استقدم مخرجًا مصريًا له خبرة في إخراج مسرحيات يوسف وهبي. احتوى المسرح على ألف كرسي للجمهور، وأشرف السباعي بنفسه على تدريب أربعين ممثلًا، حيث أعد محمد عبدالله مليباري أول مسرحية بعنوان “فتح مكة”، وتدرب عليها عشرون ممثلًا. كما تدرب العشرون الآخرون على مسرحية مستقبلية بعنوان “مسيلمة الكذاب” لعبدالله عبدالوهاب العباسي. ورغم كل هذه الجهود، لم يحظ السباعي بفرصة تحقيق حلمه بشكل كامل بسبب الفجوة بين المسرح والذهنية الاجتماعية السائدة آنذاك، وهي معضلة تتكرر في مجتمعات عديدة عند محاولة إدخال فنون جديدة.

تأسيس نادي مكة الأدبي ومؤلفاته الخالدة

لم تتوقف إسهامات أحمد السباعي عند هذا الحد، بل كان له دور فعال في تأسيس نادي مكة الأدبي عام 1975م. بالتعاون مع أدباء ومثقفين بارزين مثل محمد حسن فقي وإبراهيم فودة، رفع السباعي مطلب إنشاء نادٍ ثقافي يكون مركزًا لأنشطتهم إلى الأمير فيصل بن فهد، الرئيس العام لرعاية الشباب آنذاك. وبالموافقة على هذا المطلب، تشكلت هيئة تأسيس من أربعة وعشرين أديبًا ومثقفًا، كان السباعي أولهم، وافتتح النادي عام 1978م، ليصبح منارة للثقافة والأدب.

تجاوزت مؤلفات السباعي العشرين كتابًا، شملت القصة والتاريخ والدراسات الاجتماعية وتوثيق الأمثال الحجازية الشعبية، وتاريخ مكة المكرمة، إضافة إلى موضوعات الحج والسيرة الذاتية. من أبرز أعماله “المرشد إلى الحج والزيارة” (1948م)، و”تاريخ مكة” (1952م)، و”أبو زامل” الذي عُرف لاحقًا بـ”أيامي” (1954م)، و”قصة فكرة” (1948م)، و”خالتي كدرجان” (1980م)، ورواية “اليتيم المعذب”. تقديرًا لإسهاماته الجليلة، نال جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1983م.

وأخيرًا وليس آخراً

لقد كانت سيرة أحمد السباعي مثالًا حيًا للرائد الذي يسعى لتشكيل ملامح مجتمعه من خلال العلم والأدب والفن. فمن خلال الصحافة، والتعليم، وحلم المسرح، وصولًا إلى تأسيس الأندية الأدبية، ترك السباعي بصمات لا تُمحى في ذاكرة الأمة. كان مسيرته تعكس تطلعات جيل كامل نحو التنوير والتحديث، وواجه التحديات بروح المثابر. فهل ما زال إرث السباعي الثقافي يمثل مصدر إلهام كافٍ للأجيال الجديدة لاستكمال مسيرة التنوير والإبداع في المملكة العربية السعودية؟