مسيرة أحمد عيد الحربي الرياضية: رائد كرة القدم السعودية وأول رئيس منتخب للاتحاد
لطالما كانت الرياضة، وكرة القدم تحديداً، مرآة تعكس تطور المجتمعات والطموحات الوطنية. في قلب هذه المسيرة المضيئة للكرة السعودية، يبرز اسم أحمد عيد الحربي كشخصية محورية جمعت بين إبداع الملاعب ورؤية الإدارة. لم يكن مجرد حارس مرمى مرموق، بل كان رمزاً للتفاني والإصرار، ثم تحول إلى قيادي رياضي أحدث نقلة نوعية في المشهد الكروي بالمملكة، وخاصة عند توليه رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم عبر الانتخاب، سابقة فريدة في تاريخ الرياضة السعودية.
تتجاوز قصة الحربي مجرد السرد الزمني للأحداث، لتشمل تحليلاً لمدى تأثير اللاعبين القدامى في بناء الهياكل الإدارية للرياضة. إن مسيرته المهنية تضرب بجذورها في أعماق تاريخ الكرة السعودية، حيث شهدت تحولات مفصلية من الهواية إلى الاحترافية، ومن القيادات المعينة إلى النخب المنتخبة، ما يعكس نضج التجربة الرياضية السعودية وتطلعها نحو آفاق عالمية أرحب.
أحمد عيد: من تألق حراسة المرمى إلى قمة المجد الكروي
تُعد مسيرة أحمد عيد الحربي في عالم كرة القدم السعودية نموذجاً فريداً لتطور اللاعب القادر على الانتقال من أداء متميز داخل الملعب إلى قيادة إدارية حكيمة خارجه. وُلد الحربي عام 1367هـ/1948م، وبدأ رحلته الكروية مبكراً، ليُسطر اسمه بمداد من ذهب كأحد أبرز حراس المرمى في تاريخ الكرة السعودية، سواء على مستوى الأندية أو المنتخب الوطني.
أسطورة في شباك النادي الأهلي
بدأ أحمد عيد رحلته مع الساحرة المستديرة في نادي التسامي بجدة، حيث قضى ثلاث سنوات في صقل موهبته الفذة. جاءت النقلة النوعية عام 1386هـ/1966م بانتقاله الرسمي إلى النادي الأهلي، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من تاريخه الذهبي. في الأهلي، لم يكن مجرد حارس مرمى، بل كان صمام أمان للفريق، وشارك في تحقيق إنجازات غير مسبوقة.
لقد أسهم أحمد عيد ببراعة في إحراز النادي الأهلي لـ12 بطولة كبرى، شملت لقبي دوري، وثلاثة كؤوس لولي العهد، وسبعة كؤوس للملك. هذه الأرقام لا تعكس فقط مهارته الفائقة في الذود عن مرماه، بل تشير أيضاً إلى حضوره القيادي وتأثيره الإيجابي داخل الفريق. وفي عام 1400هـ/1980م، اختار الاعتزال من عالم اللعب مفضلاً التفرغ لدراساته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، ليختتم فصلاً مهماً من مسيرة أحمد عيد الحربي كلاعب.
حارس مرمى المنتخب السعودي: تألق دولي
امتد بريق أحمد عيد الحربي ليضيء سماء الكرة الدولية ممثلاً للمنتخب السعودي في 13 مباراة دولية. تجسد هذا التألق في مشاركاته البارزة ببطولات كأس الخليج العربي، حيث دافع عن ألوان الأخضر في نسخ أعوام 1390هـ/1970م بالبحرين، و1392هـ/1972م بالسعودية، و1394هـ/1974م بالكويت.
لم تقتصر إسهاماته على المشاركة فحسب، بل حصد لقب أفضل حارس مرمى في البطولتين الأولى والثانية، مما يؤكد مكانته الرفيعة كواحد من أفضل الحراس في المنطقة خلال تلك الحقبة. هذا الإنجاز يعكس مستوى عالياً من الأداء والثبات، ويؤكد قدرته على التألق تحت الضغط الدولي، وهو ما عزز من مكانته في الذاكرة الرياضية السعودية.
أحمد عيد في دهاليز الإدارة الرياضية: قيادة ورؤية
بعد مسيرة حافلة بالعطاء كلاعب، تحول أحمد عيد الحربي نحو العمل الإداري، حاملاً معه خبرة الملاعب والرؤية الأكاديمية التي اكتسبها من دراساته العليا. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في المسار المهني، بل كان استثماراً قيّماً في تعزيز بنية الرياضة السعودية، حيث طبق مبادئ القيادة والتخطيط الاستراتيجي.
تسلسل المناصب الإدارية في الأندية والمنتخبات
بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية، استأنف أحمد عيد نشاطه في المجال الرياضي عام 1403هـ/1983م، من بوابة النادي الأهلي، حيث شغل منصب عضو في مجلس الإدارة ومشرف على كرة القدم. تدرج بعدها ليصبح نائباً لرئيس مجلس إدارة النادي، قبل أن يتولى رئاسة مجلس الإدارة عام 1405هـ/1985م، ليثبت قدرته على القيادة في أعلى المستويات التنفيذية للأندية.
شملت مسيرة أحمد عيد الحربي الإدارية أيضاً العمل على المستوى الوطني، ففي عام 1416هـ/1996م، عُين مديراً للمنتخب السعودي الأول في نهائيات بطولة أمم آسيا في أبو ظبي. استمر في هذا المنصب الحيوي حتى نهاية مشاركة المنتخب السعودي في كأس العالم بفرنسا عام 1419هـ/1998م، مما يدل على الثقة الكبيرة في قدراته الإدارية. عقب ذلك، تولى إدارة دورة الصداقة الدولية لكرة القدم على كأس الأمير عبدالله الفيصل لمدة سبع سنوات، وهو دور يعكس شغفه بتطوير المواهب وتنظيم الفعاليات الكبرى. وفي عام 1421هـ/2000م، انضم إلى مجلس إدارة الاتحاد العربي السعودي لكرة القدم كعضو فاعل.
رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم: سابقة تاريخية
شهد عام 1433هـ/2012م لحظة تاريخية في مسيرة أحمد عيد الحربي والرياضة السعودية على حد سواء، عندما عُين رئيساً للجنة المؤقتة لإدارة الاتحاد العربي السعودي لكرة القدم بقرار من الأمير نواف بن فيصل بن فهد، الرئيس العام لرعاية الشباب آنذاك (التي أصبحت وزارة الرياضة لاحقاً). هذا التعيين كان بمثابة تمهيد لمرحلة جديدة وغير مسبوقة.
في محرم 1434هـ/ديسمبر 2012م، جرت أول انتخابات في تاريخ الرياضة السعودية على كرسي رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم. كانت هذه الخطوة بمثابة نقطة تحول ديمقراطية، تؤسس لمفهج جديد في إدارة كرة القدم بالمملكة. فاز أحمد عيد بهذه الانتخابات ليصبح بذلك أول رئيس منتخب للاتحاد السعودي لكرة القدم منذ تأسيسه، مؤكداً ثقة الوسط الرياضي في رؤيته وخبرته. هذه الانتخابات كانت بمثابة إيذان بعهد جديد من الشفافية والمشاركة في اتخاذ القرار الرياضي، وهو ما يعكس التطور المؤسسي الذي تسعى إليه المملكة في كافة قطاعاتها.
بعد الرئاسة: عضوية الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)
بعد انتهاء فترته الرئاسية للاتحاد السعودي لكرة القدم، لم تتوقف إسهامات أحمد عيد في خدمة اللعبة. ففي عام 1440هـ/2019م، عُيّن أحمد عيد عضواً في مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، وهو منصب رفيع يعكس تقدير المنظمة الدولية لخبراته الطويلة ورؤيته الثاقبة في تطوير كرة القدم. هذه العضوية لم تكن تكريماً شخصياً فحسب، بل كانت تمثيلاً للخبرة السعودية على الساحة العالمية، وتأكيداً على دور المملكة المتنامي في صناعة القرار الكروي الدولي. إن انضمامه للفيفا يؤكد أيضاً الأثر العميق الذي تركه في الرياضة، من لاعب إلى إداري، ثم إلى صوت مؤثر على المستوى العالمي.
و أخيرا وليس آخرا: إرث يتجاوز الألقاب
لقد ترك أحمد عيد الحربي بصمة لا تُمحى في تاريخ كرة القدم السعودية، بدءاً من تألقه حارساً للمرمى في النادي الأهلي والمنتخب، مروراً بتدرجه في المناصب الإدارية التي أهلته ليصبح أول رئيس منتخب للاتحاد السعودي لكرة القدم. إن مسيرة أحمد عيد الحربي الرياضية هي شهادة حية على قدرة الفرد على العطاء المتواصل في ميادين مختلفة، من أرضية الملعب الخضراء إلى كواليس القرار الإداري، وصولاً إلى المحافل الدولية.
يمثل أحمد عيد أيقونة رياضية جمعت بين الإنجاز الشخصي والتأثير المؤسسي، وساهمت في وضع أسس متينة لمستقبل كرة القدم السعودية. إن قصة حياته المهنية لا تقتصر على سرد الإنجازات، بل هي دعوة للتأمل في أهمية القيادات الرياضية التي تجمع بين الشغف والخبرة والرؤية. فهل ستستمر الأجيال القادمة من الرياضيين السعوديين في اقتفاء أثر أمثال أحمد عيد، لتُضيف فصولاً جديدة ومشرقة في سجل المجد الرياضي للمملكة؟











