مؤسسة الأميرة العنود الخيرية: من الوصية الملكية إلى التمكين المجتمعي
تُعد مؤسسة الأميرة العنود الخيرية نموذجًا فريدًا للعمل الخيري المستدام في المملكة العربية السعودية، حيث تتجاوز حدود الدعم المباشر لترسيخ مفهوم التمكين الشامل. انطلقت هذه المؤسسة الوقفية المانحة من وصية ملكية سامية، لتُصبح منارة للعطاء والتطوير المجتمعي، مُحدثة فارقًا ملموسًا في حياة العديد من أبناء وبنات الوطن. تمتد أنشطتها وبرامجها لتغطي مختلف أنحاء المملكة من مقرها الرئيس في العاصمة الرياض، مؤكدة على بُعد رؤيتها وعمق تأثيرها.
تأسست مؤسسة الأميرة العنود الخيرية في عام 1420هـ الموافق 2000م، بناءً على وصية الأميرة العنود بنت عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي آل سعود، زوجة الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود -رحمهما الله-. وقد أظهرت الأميرة العنود، برؤيتها الثاقبة، التزامًا مبكرًا بالعمل الخيري والإسلامي. ففي عام 1387هـ الموافق 1967م، وعمرها لم يتجاوز السابعة والعشرين، أوصت بتخصيص ثلث إرثها لأوجه الخير التي تخدم الإسلام والمسلمين، لتُشكل هذه الوصية حجر الزاوية في مسيرة المؤسسة التي نراها اليوم.
رؤية المؤسسة وأهدافها الاستراتيجية
ظلت مؤسسة الأميرة العنود الخيرية تعمل بجد ونشاط في مختلف ميادين العمل الخيري، مُتبنية نهج الاستدامة في كل ما تُقدمه. رسالتها المحورية تتمثل في تمكين ورعاية الشعب السعودي، وذلك من خلال شراكات استراتيجية مع القطاعين الحكومي والخاص، بالإضافة إلى المؤسسات غير الربحية ذات التأثير المباشر في المجتمع. هذا التوجه ينسجم تمامًا مع رؤية السعودية 2030، التي تُركز على بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر.
تُسعى المؤسسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الخيرية الطموحة، التي تُساهم في بناء مجتمع سعودي أكثر قوة وتكافلًا. من أبرز هذه الأهداف:
- دعم البرامج والمشاريع الرعوية: تقديم العون والمساعدة للمشاريع التي تُعنى بالرعاية الاجتماعية والإنسانية.
- تعزيز مفهوم التمكين: إنشاء مراكز متخصصة تُنمي وتُطور مختلف شرائح المجتمع السعودي، مما يُعزز قدراتهم ويدفعهم نحو الاكتفاء الذاتي.
- تشجيع العمل التطوعي: تنمية روح المبادرة والعطاء بين أفراد المجتمع السعودي من خلال برامج تطوعية مُبتكرة.
- تبادل المعرفة والنتائج: التركيز على قياس الأثر وتحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس، وتبادل هذه المعرفة مع الجهات ذات العلاقة.
- بناء الشراكات الاستراتيجية: إقامة وتعزيز تحالفات وطنية ودولية مع المؤسسات الأخرى العاملة في القطاع الخيري، لتبادل الخبرات وتوسيع نطاق التأثير.
برامج ومشاريع العنود الخيرية
تُنفذ مؤسسة الأميرة العنود الخيرية باقة مُتنوعة من المشاريع والبرامج التي تغطي جوانب متعددة من التنمية الخيرية. تتضمن هذه البرامج:
برامج التنمية الخيرية
- برامج الوصية: تُركز على تنفيذ وصايا الخير والعطاء بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية.
- البرامج الموسمية: مشاريع تُطلق في مواسم محددة مثل شهر رمضان أو الأعياد، لتلبية الاحتياجات الملحة.
- البرامج الدعوية: تُساهم في نشر الوعي الديني والقيم الإسلامية السمحة.
- برامج تعليم القرآن الكريم: دعم حلق تحفيظ القرآن الكريم وتجويده.
مراكز التمكين الخيرية
تُدير المؤسسة عدة مراكز مُتخصصة في التمكين، تهدف إلى بناء القدرات وتطوير المهارات، ومنها:
- مركز وارف: يُعنى بتمكين الشباب وتطويرهم.
- مركز شدن: يُركز على تمكين المرأة وتطوير قدراتها.
- مركز التدريب: يُقدم دورات تدريبية مُتخصصة في مجالات مُتنوعة.
- مركز العنود الحضاري: يُساهم في تعزيز الجانب الثقافي والحضاري.
- حاضنة العنود التطوعية: تُقدم الدعم والرعاية للمبادرات التطوعية الواعدة.
الهيكل الإداري والجهات الداعمة
يُشمل الهيكل الإداري للمؤسسة كيانات خدمية مُتعددة، تُعزز من حوكمة العمل الخيري وكفاءته. من أبرز هذه الكيانات المجلس النسائي، الذي يُعد إضافة نوعية للمؤسسة. يتألف هذا المجلس من بنات الأميرة العنود وبنات أولادها، بالإضافة إلى الإناث من نسلهن اللاتي أتممن الثامنة عشرة من العمر. كما يضم المجلس عضوات أخريات تختارهن رئيسة المجلس. وتترأس المجلس أكبر بنات الأميرة أو حفيداتها سنًا، وتنوب عنها من تليها سنًا. يُقدم المجلس النسائي رؤاه حول الدراسات، ويُقدم النصح والتوصيات بشأن المشاريع أو البرامج أو المساعدات التي تدخل ضمن نطاق عمل المؤسسة، مما يُضفي بُعدًا عائليًا ونسائيًا قويًا في اتخاذ القرارات الخيرية.
لدعم أعمال مؤسسة الأميرة العنود الخيرية وضمان استدامتها، تأسست مؤسسة العنود للاستثمار. تُعد هذه المؤسسة الذراع الاستثماري لمؤسسة الأميرة العنود الخيرية، وهدفها الرئيس هو الاستثمار الأمثل لكافة الموارد العقارية والمالية المتاحة. تسعى مؤسسة العنود للاستثمار إلى تنمية هذه الاستثمارات ذاتيًا وعبر تحالفات محلية ودولية، بهدف تحقيق أفضل العوائد الممكنة. هذه العوائد تُوجه مباشرة إلى مؤسسة الأميرة العنود الخيرية لدعم وتنمية مشاريعها الخيرية المتنوعة، مما يُشكل دورة تمويلية مستدامة تُعزز من قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها طويلة الأمد. هذا النموذج الاستثماري يُجسد رؤية مستقبلية لضمان استمرارية العطاء والريادة في العمل الخيري.
و أخيرا وليس آخرا
تُجسد مؤسسة الأميرة العنود الخيرية قصة نجاح ملهمة في العمل الخيري والتنموي بالمملكة العربية السعودية. من وصيةٍ ملكية نابعة من إيمان عميق بالعطاء، إلى مؤسسة رائدة تُسهم بفاعلية في تمكين المجتمع ودعم رؤية الوطن الطموحة. ببرامجها المتنوعة ومراكزها المتخصصة ونهجها الاستثماري المستدام، لم تكتفِ المؤسسة بتقديم المساعدات، بل سعت إلى بناء قدرات الإنسان وتفعيل طاقاته. فهل يُمكن لهذا النموذج المتكامل أن يُلهم المزيد من المؤسسات لتبني استراتيجيات أكثر استدامة وتأثيرًا في مسيرة التنمية الشاملة؟







