مكتبة الملك فهد الوطنية: منارة الثقافة في قلب المملكة
في قلب العاصمة السعودية الرياض، تتربع مكتبة الملك فهد الوطنية كصرح ثقافي شامخ يعكس اهتمام المملكة بالحفاظ على التراث الفكري وتعزيز المعرفة. تأسست هذه المؤسسة الوطنية في بداية عهد الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، بجهود مخلصة من مواطنين وبدعم من أمانة مدينة الرياض، لتكون في البداية مكتبة عامة تخدم المجتمع. وفي عام 1410هـ (1989م)، تحولت إلى مكتبة وطنية تحمل اسم الملك فهد، ثم شهدت تحديثًا شاملاً وتوسعة كبيرة في عام 1435هـ (2014م) لتواكب التطورات الحديثة في عالم المكتبات والمعلومات.
تُعد المكتبة عضوًا فاعلاً في الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (IFLA) منذ عام 1443 هـ (2022م)، وتقدم خدمات جليلة للمستفيدين في مختلف المجالات التي تقع ضمن نطاق اختصاصها. كما تقوم بإصدار مجلة باسمها، تعنى بالشأن الثقافي والمكتبي.
تاريخ إنشاء مكتبة الملك فهد الوطنية وتطورها
بدأت قصة إنشاء مكتبة الملك فهد الوطنية بتعاون مثمر بين أمانة مدينة الرياض ومجموعة من المواطنين السعوديين، بهدف إنشاء مكتبة عامة تخدم أهالي المدينة. وبفضل اقتراح من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، الذي ترأس اللجنة الاستشارية خلال مرحلة الإنشاء، تحولت الفكرة إلى إنشاء مكتبة وطنية تحمل اسم الملك فهد.
تجسدت فكرة إنشاء المكتبة كمعلم تذكاري بمناسبة تولي الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود مقاليد الحكم في عام 1402هـ (1982م). انطلقت أعمال البناء في عام 1406هـ (1986م) تحت إشراف أمانة مدينة الرياض. وبعد عامين، شُكلت إدارة مؤقتة لتتولى مسؤولية التخطيط لتنمية المجموعات وإعدادها وتنظيمها، بالإضافة إلى تأسيس الجهاز الفني والإداري للمكتبة. وفي عام 1409هـ (1989م)، اكتمل بناء المكتبة وتجهيزها وتأثيثها. وفي 6 جمادى الأولى 1410هـ (5 ديسمبر 1989م)، صدرت موافقة مجلس الوزراء على نظام المكتبة وهيكلها الإداري، لتتحول المكتبة رسميًا إلى مكتبة وطنية بموجب هذا النظام.
وفي عام 1435هـ (2014م)، نُفذ مشروع ضخم لتوسعة وتطوير الشكل الخارجي للمكتبة، لتصل مساحتها إلى حوالي 87 ألف متر مربع بعد أن كانت لا تتجاوز 21 ألف متر مربع. كما جُهزت بمسرح يتسع لنحو 400 مقعد، لخدمة الفعاليات والأنشطة الثقافية التي تنظمها المكتبة.
مهام مكتبة الملك فهد الوطنية وأدوارها
تضطلع مكتبة الملك فهد الوطنية بمهام جسيمة وأدوار حيوية في خدمة الثقافة والمعرفة في المملكة. فمنذ بداية تطبيق نظام الإيداع في عام 1414هـ (1994م)، بدأت المكتبة بتسجيل كل ما ينشر في السعودية من أوعية المعلومات، مع تثبيت رقم الإيداع عليها قبل نشرها. وبالنسبة للكتب القديمة، تسعى المكتبة جاهدة للحصول على الإصدارات القديمة والنادرة من خلال التعاون مع المؤلفين، بالإضافة إلى قبول الإهداءات وشراء أوائل المطبوعات السعودية.
حماية حقوق النشر والتراث الفكري
تتولى المكتبة مهمة التسجيل والترقيمات الدولية للمنشورات السعودية، والتكشيف للمحتويات التي تخدم الباحثين والمعنية بالمملكة وشبه الجزيرة العربية. كما تهتم بصيانة المقتنيات، سواءً من خلال التعقيم أو التجليد، وترميم المخطوطات والوثائق. وتتيح خدمة الاستنساخ للأفراد والمكتبات والهيئات الحكومية، وتسهم في إعداد الدراسات والبحوث.
خدمات معلوماتية متكاملة
توفر المكتبة خدمات معلوماتية شاملة، تشمل: تجهيز المعلومات، والخدمات المرجعية، والإعارة التبادلية. بالإضافة إلى ذلك، تولي المكتبة اهتمامًا خاصًا بحماية التراث المخطوط، وتتيح لمالكي المخطوطات الأصلية خدمات متميزة، مثل: إعطاء شهادة تسجيل للمخطوطة، وتعقيمها، وتقييد بياناتها في الفهرس السعودي الموحد للمخطوطات.
الخدمات الإلكترونية التي تقدمها مكتبة الملك فهد الوطنية
في عصر التحول الرقمي، لم تغفل مكتبة الملك فهد الوطنية عن تقديم خدمات إلكترونية متطورة للمستفيدين. فهي تتيح خدمة طلب تسجيل مادة مطبوعة أو غير مطبوعة، وتسجيل مطبوع دوري أو مادة فنية، بالإضافة إلى طلب تحديث بيانات الناشرين السعوديين.
البحث العلمي وتوثيق الإنتاج الفكري
كما توفر المكتبة خدمة طلب إفادة بحث عن مواضيع الماجستير والدكتوراه، وإمكانية البحث في توثيق الإنتاج الفكري ونظام تلخيص الأعمال الفكرية السعودية، وطلب قائمة مصادر. وتُمكن مستفيديها من طلب مخطوطات أو وثائق تاريخية، أو صورة تاريخية من مركز معلومات المملكة، أو بيانات تعريفية بالمؤلف السعودي، أو طلب نشر بحث في مجلة المكتبة، أو طلب اقتراح شراء كتاب أو موضوع محدد، بالإضافة إلى طلب الزيارة.
و أخيرا وليس آخرا:
تُعد مكتبة الملك فهد الوطنية صرحًا ثقافيًا بارزًا في المملكة العربية السعودية، فهي ليست مجرد مكان لحفظ الكتب والمخطوطات، بل هي مركز إشعاع فكري وثقافي يسهم في إثراء المعرفة وتعزيز البحث العلمي. فهل ستظل المكتبة قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في عالم المعلومات، والحفاظ على دورها المحوري في خدمة المجتمع؟











