قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في السعودية: نظرة تاريخية وتحليلية
يمثل قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في السعودية أحد أعرق القطاعات الحكومية التي تأسست في المملكة، ويحظى بإشراف مباشر من وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات. بدأت بذرة هذا القطاع في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود في عام 1345هـ/1926م، وذلك بإنشاء مديرية للبرق والبريد والهاتف، بهدف ربط مناطق المملكة وتطوير خدمات الاتصالات والبريد.
مراحل تاريخية في تطور قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات
شهد قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة العربية السعودية تطورات متسارعة منذ نشأته، يمكن تلخيص أبرزها في المراحل التالية:
البدايات اللاسلكية
في عام 1344هـ/1925م، بدأت المملكة مفاوضات مع شركات عالمية لشراء أجهزة لاسلكية وإنشاء شبكة اتصالات لاسلكية. تضمن ذلك إدخال الكوابل البحرية عبر البحر الأحمر لربط جدة بميناء بورسودان، مما عزز من قدرة المملكة على التواصل مع العالم الخارجي.
دخول الهاتف إلى المملكة
شهد عام 1353هـ/1934م دخول خدمة الهاتف إلى المملكة، حيث تم تركيب 854 خط هاتف يدوي في مدن الرياض، مكة المكرمة، المدينة المنورة، جدة، والطائف. كانت هذه الخطوة بداية عصر جديد في التواصل الشخصي والتجاري في البلاد.
هاتف “أبو هندل”: وسيلة الاتصال البدائية
في تلك الفترة، كان هاتف أبو هندل هو الوسيلة الرئيسية للاتصال، يعتمد على بطاريات جافة ومآمير يتلقون الاتصالات على مدار الساعة. كان المآمير يقومون بتوصيل المشتركين يدويًا عبر لوحة خشبية، مما يعكس بساطة التكنولوجيا في ذلك الوقت.
إنشاء محطة لاسلكية ووزارة للمواصلات
في عام 1367هـ/1948م، صدر قرار بإنشاء محطة لاسلكية عالمية في جدة للاتصال المباشر مع الولايات المتحدة، لتأمين الاتصالات البرقية بين البلدين. وفي عام 1372هـ/1953م، تأسست وزارة المواصلات، التي ضمت إليها مرافق البرق والبريد والهاتف، وعُين الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود وزيرًا لها.
دخول المبرقات (تلكس)
في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود، أُدخلت المبرقات (تلكس) إلى المملكة، وشهد عام 1380هـ/1960م استخدام اللغة العربية فيها لأول مرة. كانت البرقيات تُرسل عبر موظفين متخصصين يقومون بتبليغ الرسائل هاتفياً، مما سهّل التواصل الرسمي والتجاري.
تأسيس وزارة البرق والبريد والهاتف
في عام 1395هـ/1975م، أنشئت وزارة البرق والبريد والهاتف لتتولى مسؤولية قطاعي البريد والاتصالات. في ذلك الوقت، لم يتجاوز عدد الخطوط الهاتفية 130 ألف خط، بإجمالي إيرادات قدرها 250 مليون ريال. وفي عام 1404هـ/1984م، تم تشغيل أول شبكة من الكوابل البصرية وإنشاء مراكز اتصالات في مختلف مناطق المملكة.
مدينة الملك فهد للاتصالات الفضائية
تأسست مدينة الملك فهد للاتصالات الفضائية عام 1407هـ/1987م، على طريق مكة المكرمة – جدة. تضمنت أربع محطات أرضية للعمل مع الأقمار الصناعية عرب سات، إنتل سات (المحيط الأطلسي)، إنتل سات (المحيط الهندي)، وأنمر سات للاتصالات البحرية، بهدف ربط المملكة بالعالم عبر خدمات الاتصالات المتطورة.
إطلاق خدمة الهاتف الجوال
شهد عام 1416هـ/1995م تشغيل خدمة الهاتف الجوال في المملكة، وفي عام 1417هـ/1996م، بدأت شبكات كوابل الألياف البصرية في ربط مناطق المملكة، مما أدى إلى تحسين كبير في جودة وسرعة الاتصالات. وفي العام نفسه، تم تشغيل خدمات (VSAT) والشبكة الذكية لنقل المعلومات عام 1418هـ/1997م.
تأسيس شركة الاتصالات السعودية
في عام 1418هـ/1997م، صدر قرار بفصل مرافق البرق والبريد والهاتف عن وزارة المواصلات وتأسيس شركة مساهمة سعودية باسم شركة الاتصالات السعودية. بدأت الشركة أعمالها في عام 1419هـ/1998م، وتم تحرير قطاع مزودي خدمة الإنترنت (ISP) عام 1420هـ/1999م.
إنشاء هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية
بهدف تقديم خدمات اتصالات متطورة وموثوقة، أُنشئت هيئة الاتصالات السعودية عام 1422هـ/2001م، لتنظيم القطاع والترخيص للشركات. أضيفت تقنية المعلومات لمهام الهيئة لتصبح هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في عام 1424هـ/2003م. وفي عام 2019م، تولت الهيئة الاختصاصات التنظيمية والرقابية لقطاع البريد، وفي عام 1444هـ/2022م، نُقلت الاختصاصات التنظيمية في قطاع الفضاء للهيئة، وتغير مسماها إلى هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية لتحقيق التكامل بين القطاعات.
دخول الإنترنت إلى المملكة
دخلت شبكة الإنترنت إلى المملكة للمرة الأولى عام 1414هـ/1994م، بعد السماح للمؤسسات التعليمية والطبية والبحثية بالوصول إليها. وفي عام 1419هـ/1999م، مُكّن عموم المستخدمين من الوصول إلى الإنترنت. وفي عام 1420هـ/2000م، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في المملكة حوالي 200,000 مستخدم، ووصل إلى 27 مليون مستخدم في عام 1438هـ/2018م. وفي عام 1443هـ/2022م، بلغت نسبة استخدام الإنترنت 98.6% من سكان المملكة.
البنية التحتية للاتصالات وتقنية المعلومات
في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ارتفع حجم الاستثمارات في البنية التحتية للاتصالات وتقنية المعلومات إلى 15 مليار دولار خلال ثلاث سنوات (2017 – 2020م). انتشرت خدمات الاتصالات المتنقلة بنسبة 131.1% بين السكان، وبلغ استخدام الإنترنت 95.7% بنهاية عام 2019م. تم إيصال خدمة الألياف الضوئية إلى أكثر من 3.5 ملايين منزل، ووصلت تغطية خدمات الإنترنت إلى 99% من المناطق المأهولة بالسكان. وفي عام 1445هـ/2023م، بلغت نسبة تغطية الجيل الرابع 99%، والجيل الخامس 53%.
الأهداف الاستراتيجية لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات
وضع قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات ضمن خطته الاستراتيجية حتى عام 2023م عددًا من الأهداف، باعتباره أحد مُمكنات رؤية السعودية 2030، ومنها: تأسيس ركائز استراتيجية رقمية لصناعة تحول رقمي في قطاع الاتصالات، ودعم وتوطين التقنية والابتكار، ومضاعفة سوق التقنية، ونشر خدمات النطاق العريض الثابت والمتنقل، وإطلاق مبادرات نشر خدمات الألياف الضوئية، وتسهيل إجراءات التراخيص في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات.
وأخيرا وليس آخرا
لقد شهد قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة العربية السعودية تحولات جذرية منذ بداياته المتواضعة وحتى اليوم، حيث أصبح يلعب دورًا حيويًا في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومع استمرار التطور التكنولوجي، يبقى السؤال: كيف ستستمر المملكة في الاستفادة من هذه التطورات لتحقيق أهداف رؤية 2030 وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي رائد في مجال التقنية؟











