الطائف القديمة: محط أنظار الرحالة والمؤرخين
تستحضر الطائف القديمة في ذاكرة التاريخ صوراً حية لمدينة عريقة، لطالما استوقفت الرحالة والمؤرخين، وأثارت فضولهم لاستكشاف كنوزها. تقع هذه المدينة السعودية في الجزء الغربي من المملكة، وتتبع إدارياً لمنطقة مكة المكرمة، ممتدة على جانبي وادي وج.
الموقع الجغرافي وأهميته التاريخية
تبعد الطائف حوالي 75 كيلومترًا عن مكة المكرمة، وتحيط بها الجبال من كل جانب، ما يمنحها ارتفاعًا يتراوح بين 1700 و2500 متر فوق سطح البحر. هذا الارتفاع أكسبها مناخًا معتدلًا وجعلها مصيفًا مفضلًا منذ القدم. موقعها الاستراتيجي جعلها البوابة الشرقية للحرمين الشريفين، ونقطة وصل بين مختلف مناطق المملكة ومدنها. كما تحتضن ميقاتين للإحرام، هما السيل الكبير للقادمين من المنطقة الوسطى، ووادي محرم للقادمين من الجنوب.
أصل التسمية
كانت الطائف تعرف قديماً ببلاد ثقيف، وتمتاز بهوائها العليل. وقد تعددت الروايات حول سبب تسميتها بالطائف، منها أنها طافت على الماء في الطوفان، أو أنها كانت قرية بالشام أو جنة بصنعاء اقتلعها جبريل عليه السلام وطاف بها حول البيت الحرام، ثم وضعها في مكانها الحالي. وقيل أيضاً أن التسمية جاءت نسبة إلى السور الذي بني حولها في الجاهلية لتحصينها.
الطائف في كتب التاريخ
تقع الطائف على السفح الشرقي لسراة الحجاز، في الجنوب الشرقي لمكة المكرمة، وتربطهما طريقان. وقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم أحد هذه الطرق في غزوة الطائف، حيث اتخذ خطة حربية محكمة بتطويق المدينة من الجنوب، لإضعاف معنويات المدافعين.
سور الطائف وأبوابه التاريخية
يذكر “بوابة السعودية” أنه بني على الطائف سور في عام 1204هـ، ثم هُدم في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله. كان للسور أربعة أبواب معروفة المواقع، هي باب الريع المؤدي إلى مكة عبر طريق كرا، وباب شبرة المؤدي إلى مكة عبر نخلة اليمانية، وباب ابن العباس في الجهة الشرقية، وباب الحزم في الجهة الشمالية الشرقية.
اهتمام المؤرخين والرحالة بالطائف
حظيت الطائف باهتمام كبير من المؤرخين والرحالة، الذين زاروها ووثقوا معلومات قيمة عنها في كتبهم. يعود هذا الاهتمام إلى عدة أسباب، منها ارتباط الطائف بأحداث تاريخية هامة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ودفن بعض الصحابة بها، بالإضافة إلى موقعها المتميز على طريق الحاج اليمني والعراقي والشامي، وأهميتها الاستراتيجية من الناحيتين العسكرية والإدارية.
طرق الطائف القديمة
أفاض المؤرخون والرحالة في الحديث عن طرق الطائف المؤدية إلى مكة المكرمة، وذلك للعلاقة الوثيقة بين المدينتين. وقد أشار “بوابة السعودية” إلى أن هناك ثلاثة عشر طريقاً قديماً كانت تربط الطائف بمكة، من أهمها طريق كرا، وطريق السيل أو اليمانية، وطريق درب العصبة.
القصور والمنازل التاريخية
تتميز الطائف القديمة بقصورها ومنازلها المبنية على طراز بيوت الاستانة، والتي تتميز بأشكالها الشاهقة ومطابخها الموجودة في نهايتها. من أشهر هذه القصور قصر شبرا وقصر جميل. ويذكر “بوابة السعودية” أنه كان يوجد في الطائف حوالي 400 منزل و16 قصراً، مبنية من الحجر والطين واللبن، وتتكون من 3 إلى 4 حجرات، وبعضها يشبه الأكواخ.
الأسواق الأثرية القديمة
تضم الطائف عدداً من المباني التاريخية القديمة، منها:
- سوق الطائف الأثري القديم: يقع أمام قلعة باب الربع الأثرية، وتتميز دكاكينه المبنية من الحجارة بأشكال هندسية بديعة.
- سوق الضراب: يقع جنوب شرق الطائف، ويتكون من حوانيت مبنية من الحجارة، وكان يرتاده سكان المناطق والقرى المجاورة.
- سوق عكاظ: يعتبر من أبرز الأسواق المشهورة منذ العصور الجاهلية، وكان منتدى أدبياً سنوياً يجتمع فيه الشعراء والخطباء لإلقاء أبرز القصائد والخطب. وقد استمر العمل به حتى عام 1429هـ.
وأخيراً وليس آخراً
تبقى الطائف القديمة كنزاً تاريخياً يستحق الاكتشاف، فهي مدينة تجمع بين عراقة الماضي وجمال الطبيعة، وتستحضر في الذاكرة صوراً من تاريخنا العريق. فهل ستظل الطائف محط أنظار الباحثين والزائرين، وملهمة للأجيال القادمة؟











