إدارة الدين العام في السعودية: رؤية متكاملة
في عالم المال والاقتصاد، تبرز إدارة الدين العام كعنصر حيوي لاستقرار الدول وازدهارها. في هذا السياق، سنتناول نشأة وتطور المركز الوطني لإدارة الدين في المملكة العربية السعودية، دوره في تنويع مصادر التمويل، وتحسين التصنيف الائتماني للمملكة.
النشأة والتطور التاريخي للمركز الوطني لإدارة الدين
في الربع الأخير من عام 2015، انطلق مكتب إدارة الدين العام كمبادرة ضمن برنامج الاستدامة المالية. وفي خطوة تعكس الأهمية المتزايدة لهذا القطاع، صدر قرار مجلس الوزراء رقم (139) بتاريخ 16 صفر 1441هـ ليتحول المكتب إلى المركز الوطني لإدارة الدين.
يتمتع المركز بشخصية اعتبارية مستقلة واستقلال مالي وإداري، ويرتبط تنظيميًا بوزير المالية. يهدف المركز إلى تطوير سياسة الدين العام للمملكة، وإدارة الدين بكفاءة لتلبية احتياجات التمويل بأفضل التكاليف الممكنة، مع مراعاة المخاطر والسياسات المالية للمملكة، وضمان الوصول المستدام إلى أسواق الدين. كما يتابع المركز أعمال التصنيف الائتماني بالتنسيق مع الجهات الحكومية المعنية.
أهداف المركز الوطني لإدارة الدين
تتضمن أهداف المركز، وفقًا للمادة الثالثة من تنظيمه الصادر في نوفمبر 2019، الإسهام في وضع سياسة الدين العام وتعزيزها، وضمان وصول المملكة إلى أسواق الدين المحلية والعالمية بتسعير عادل. كما يهدف إلى تعزيز السياسة المالية للمملكة، واقتراح الأنظمة المتعلقة بإدارة الدين العام، وتطوير مؤشرات قياس أداء مستويات الدين العام والتصنيف الائتماني للمملكة.
يهدف المركز أيضاً إلى تطوير الأدوات والمنهجيات اللازمة لسداد الدين العام، وإعداد الدراسات والبحوث العلمية في مجالات الدين العام، ونشر بيانات الدين العام لتعزيز الشفافية، بالتعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة.
الدين العام: أداة للتمويل والتنمية
الدين العام يمثل الأموال التي تقترضها الحكومة من المؤسسات المالية والحكومية لتوفير التمويل اللازم لأنشطة الدولة. يسهم الدين العام في رفع العبء عن الميزانية العامة، سواء لتغطية النفقات، أو تمويل مشاريع داخلية وخارجية، أو ضمان استمرارية النمو والاستقرار المالي للدولة.
يُعد الدين العام مكونًا ماليًّا مهمًا يسهم في تنويع أساليب التمويل، مما ينعكس إيجابًا على التنمية الاقتصادية. يتكون الدين العام من دين داخلي، يتمثل في صكوك تملكها أطراف داخل المملكة، ودين خارجي، يتمثل في سندات وصكوك تملكها أطراف خارج المملكة.
دور المركز الوطني لإدارة الدين في تطوير سوق أدوات الدخل الثابت
في يوليو 2017، أُسس برنامج الإصدارات بالريال السعودي بهدف مواكبة متطلبات سوق الدين العالمي والمحلي وتوحيد جميع الإصدارات المحلية تحت هذا البرنامج. وفي أبريل 2018، أعلنت السوق المالية السعودية (تداول السعودية) عن إدراج أدوات الدين الحكومية وتداولها في سوق السندات الحكومية، وأصبح لها مؤشر مستقل.
في عام 2018، أغلق مؤشر سوق الصكوك والسندات عند 988.2 نقطة، وبلغت القيمة المتداولة لصكوك وسندات الشركات نحو 25.9 مليون ريال. وفي العام نفسه، تم إطلاق برنامج المتعاملين الأوليين لإصدارات حكومة المملكة، الذي ضم خمس مؤسسات مالية محلية للاشتراك في السوق الأولي للإصدارات المحلية الشهرية، ثم أضيفت خمس مؤسسات مالية دولية في أكتوبر 2022.
إنجازات بارزة للمركز
في فبراير 2021، برزت كفاءة المركز الوطني لإدارة الدين في إقفال طرحه الدولي الثاني المقوم باليورو من برنامج سندات حكومة المملكة. استغل المركز الفرصة لدخول سوق اليورو الأوروبي بإصدار أدوات دين بعائد سلبي، ليصبح أكبر شريحة أصدرت بالسالب خارج دول الاتحاد الأوروبي.
وصل المجموع الكلي لطلبات الاكتتاب إلى أكثر من 5 مليارات يورو، حيث تجاوزت نسبة التغطية 3 أضعاف إجمالي الإصدار، وبلغ إجمالي الطرح 1.5 مليار يورو (6.83 مليارات ريال). وكان هذا ثاني إصدار دولي لعام 2021 بعد إصدار المملكة 5 مليارات دولار في يناير.
إسهام المركز الوطني لإدارة الدين في التصنيف الائتماني للمملكة
يعمل المركز مع الجهات الحكومية المعنية لتقديم جهود المملكة الائتمانية، بهدف تحقيق أعلى تصنيف ائتماني ممكن من خلال إبراز الجهود المتواصلة لتحسين المالية العامة، ورفع كفاءة الإنفاق، والاستجابة للمتغيرات السياسية والاقتصادية، وتعزيز جاذبية السوق السعودي.
يعزز المركز تواصله مع وكالات التصنيف الائتماني لضمان وصول المعلومات وصدور التصنيف الذي يعكس التطورات المالية العامة في المملكة. التصنيف الائتماني هو مؤشر على الجدارة الائتمانية للدول وقدرتها على خدمة الديون.
السعودية في صدارة التصنيف الائتماني
تعد السعودية الدولة الوحيدة في مجموعة العشرين التي حققت ترقيتين وتقييمًا إيجابيًّا من وكالات التصنيف الائتماني الثلاث ذات الصلة في عام 2023، مما يشير إلى متانة اقتصاد المملكة ونجاح استثماراتها في مختلف القطاعات.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
المركز الوطني لإدارة الدين يمثل ركيزة أساسية في المنظومة المالية للمملكة العربية السعودية، حيث يسهم في تطوير سوق الدين، وتحسين التصنيف الائتماني، وضمان الاستدامة المالية. من خلال الإدارة الفعالة للدين العام، تدعم المملكة مسيرة التنمية الاقتصادية وتحقق الاستقرار المالي المنشود. فهل سيستمر المركز في تحقيق هذه النجاحات وتعزيز مكانة المملكة في الأسواق العالمية؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة.











