تقويم أم القرى: الرزنامة الرسمية للمملكة العربية السعودية
تقويم أم القرى يمثل الرزنامة الرسمية المعتمدة في المملكة العربية السعودية، والتي يُعتمد عليها في تحديد المناسبات على المستويين الرسمي والشعبي. يرتبط هذا التقويم ارتباطاً وثيقاً بالشعائر الدينية الإسلامية، مثل تحديد مواعيد الحج، وبداية شهر رمضان المبارك، ومواعيد الزكاة، بالإضافة إلى أحكام دينية أخرى. يعتمد تقويم أم القرى في جوهره على التأريخ الهجري القمري الإسلامي، وهو حجر الزاوية في دراسة وتحديد بدايات الأشهر الهجرية، مما يجعله التقويم الأول الذي يعتمد على إحداثيات الكعبة المشرفة في حساباته الفلكية.
النشأة التاريخية لتقويم أم القرى
يرتكز تقويم أم القرى على التأريخ الهجري القمري، وهو نظام زمني وضعه الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في بداية العهد الإسلامي، عندما أمر بتدوين الدواوين. وقد حدد بداية التأريخ الهجري بيوم الهجرة النبوية الشريفة، عندما هاجر الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، والذي يوافق 15 يوليو 622م.
المراحل الأولى للتقويم
تم إصدار النسخة الأولى من تقويم أم القرى في عام 1346هـ الموافق 1927م، وذلك من خلال مطبعة الحكومة في مكة المكرمة. وفي عام 1399هـ الموافق 1978م، صدر توجيه بنقل مسؤولية طباعة التقويم إلى مصلحة مطابع الحكومة في مدينة الرياض، وذلك نظراً لما تملكه من آلات ومعدات حديثة ومتطورة، تتيح إنتاج التقويم بجودة طباعية عالية.
الإشراف والتطوير
لجنة الإشراف على التقويم
في عام 1400هـ الموافق 1980م، شُكلت لجنة متخصصة للإشراف على تقويم أم القرى، برئاسة رئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وعضوية نخبة من المختصين في العلوم الشرعية وعلم الفلك. تختص هذه اللجنة بدراسة ومراجعة كل ما يتعلق بالتقويم من دراسات وملاحظات، وتقديم التوصيات اللازمة بشأنها.
اعتماد إحداثيات الكعبة
شهد عام 1420هـ الموافق 1999م، اعتماداً لإحداثيات خط الطول وخط العرض للكعبة المشرفة في مكة المكرمة كأساس رئيسي لحساب تقويم أم القرى. كما تم اعتماد معيار ولادة الهلال فلكيًا عند غروب القمر بعد غروب الشمس في مكة المكرمة كشرط أساسي لبدء الشهر الهجري.
الأسس الفلكية في حسابات تقويم أم القرى
يعتمد القائمون على إعداد تقويم أم القرى على اعتبار غروب الشمس في مكة المكرمة قبل غروب القمر إيذانًا ببدء شهر هجري جديد، وذلك امتثالًا لما ورد في المادة الحادية عشرة من لائحة تحري رؤية هلال أول الشهور القمرية، الصادرة بقرار مجلس الوزراء في 22 شعبان 1418هـ الموافق 22 ديسمبر 1997م.
شروط تحقق بداية الشهر الهجري
تتضمن شروط إثبات بداية الشهر الهجري القمري أن يكون كامل جرم القمر (الهلال) مرئيًا فوق الأفق بعد غروب الشمس، وأن يغرب القمر بعد غروب الشمس في سماء مكة المكرمة، بحيث يمكن رؤية الهلال وقد بدأ النور يظهر فيه، وأن تحدث ولادة الهلال فلكيًا.
دلالات أسماء الأشهر في التقويم الهجري
- محرم: أول شهور السنة الهجرية، وهو من الأشهر الحرم، وقد سمي بهذا الاسم لأن العرب كانوا يحرّمون القتال فيه.
- صفر: سمي بهذا الاسم لأن ديار العرب كانت تخلو من أهلها الذين يخرجون للقتال والحرب، وقيل أيضًا لأن العرب كانوا يغيرون على القبائل ويتركون من يلقونهم صفر المتاع.
- ربيع الأول: سُمي بذلك لأنه وافق فصل الربيع عند تسميته.
- ربيع الآخر: سُمي كذلك لأن العرب كانوا “يرتبعون” فيه، أي يستفيدون من أعشاب الربيع التي تنمو في هذا الوقت، وقيل إنه سُمي ربيعًا لموافقته فصل الربيع.
- جمادى الأولى: كان يُعرف بجمادى خمسة، ثم سُمي جمادى لوقوعه في فصل الشتاء وقت تسميته، حيث يتجمد الماء.
- جمادى الآخرة: كان يُعرف بجمادى ستة، ثم سُمي بهذا الاسم لموافقته فصل الشتاء.
- رجب: من الأشهر الحرم، وسُمي بذلك لأن العرب كانوا يمتنعون عن القتال فيه، وقيل إنه مشتق من “ترجيب” الرماح أي نزع الأسنة منها للتوقف عن القتال.
- شعبان: سُمي بهذا الاسم لتفرق الناس فيه وتشعّبهم بحثًا عن الماء.
- رمضان: شهر الصيام عند المسلمين، وسُمي بذلك لشدة الحر ووقوع الشمس الحارقة فيه وقت تسميته.
- شوال: فيه عيد الفطر، وسُمي بذلك لشولان النوق فيه بأذنابها إذا حملت، أي نقص وجف لبنها.
- ذو القعدة: من الأشهر الحرم، وسُمي بهذا الاسم لأن العرب كانوا يقعدون فيه عن الغزو والترحال، لكونه من الأشهر الحرم.
- ذو الحجة: فيه موسم الحج وعيد الأضحى، وهو من الأشهر الحرم، وسُمي بهذا الاسم لأن العرب كانوا يذهبون للحج في هذا الشهر.
وفي النهاية:
تقويم أم القرى ليس مجرد أداة لتحديد الوقت، بل هو جزء لا يتجزأ من هوية المملكة العربية السعودية الثقافية والدينية. اعتماده على التأريخ الهجري القمري وإحداثيات الكعبة المشرفة يجعله مرجعاً أساسياً للمسلمين في جميع أنحاء العالم. فهل سيشهد هذا التقويم تطورات مستقبلية تواكب التغيرات العلمية والتكنولوجية، مع الحفاظ على جوهره وأصالته؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة.







