الجدل حول استثمارات الذكاء الاصطناعي في الصين: صراع المصالح بين وادي السيليكون وبكين
يشهد العالم اليوم تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، تتجلى بوضوح في القطاعات التقنية المتقدمة، لا سيما الذكاء الاصطناعي. فبينما تتسابق القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، لامتلاك الريادة في هذا المجال الحيوي، تبرز تحديات جمة أمام شركات رأس المال الجريء التي تجد نفسها عالقة بين هاجس الربح وضرورات الأمن القومي. هذا المشهد المعقد هو ما عكسته قضية استثمار شركة “بنشمارك” (Benchmark)، إحدى أيقونات وادي السيليكون، في شركة ناشئة للذكاء الاصطناعي تأسست في الصين، لتثير موجة واسعة من الانتقادات والتحليلات المتضاربة حول مستقبل العلاقات الاقتصادية والتقنية بين البلدين، وتحديات الاستثمار الأجنبي المباشر في زمن التوترات المتصاعدة.
استثمار بنشمارك: شرارة الجدل
في أواخر أبريل الماضي، كشفت تقارير إخبارية عن استثمار شركة “بنشمارك” الأمريكية في شركة ناشئة للذكاء الاصطناعي ذات أصول صينية، لتشعل بذلك فتيل أزمة داخل الأوساط السياسية والاستثمارية. لم يمضِ وقت طويل حتى سارع أعضاء جمهوريون في مجلس الشيوخ إلى تصوير الصفقة كدعم مباشر للحكومة الصينية، مطالبين الكونغرس باتخاذ إجراءات حاسمة.
من جهة أخرى، لم يتردد مستثمرون آخرون في انتقاد “بنشمارك”، متهمين إياها بالافتقار إلى المسؤولية الوطنية. وقد وصف الشريك في “فاوندرز فاند” (Founders Fund)، ديليان أسباروهوف، هذا الاستثمار بأنه تمويل “للعدو”، متسائلاً عن المنطق وراء دعم سباق الذكاء الاصطناعي الصيني في عام 2025، مقارناً ذلك بتمويل برنامج الفضاء الروسي خلال الحرب الباردة.
دفاع “بنشمارك”: توضيحات ومبررات
رغم رفض “بنشمارك” التعليق الرسمي في البداية، إلا أن الانتقادات فاجأت بيل غيرلي، الشريك المخضرم في الشركة، الذي دافع عن قرار الشركة في إحدى حلقات بودكاسته (BG2) في مايو. أوضح غيرلي أن “بنشمارك” قادت استثماراً بقيمة 75 مليون دولار في شركة “باترفلاي إفكت” (Butterfly Effect)، المطورة لوكيل الذكاء الاصطناعي “مانوس” (Manus).
أشار غيرلي إلى أن منتج “مانوس” يعتمد حصرياً على النماذج اللغوية الكبرى المطورة في الولايات المتحدة، مثل “كلود” من “أنثروبيك”، وأن الشركة الناشئة تمتلك مكاتب خارج الصين ولا تخزن أي بيانات للمستخدمين داخلها. كما رفض المزاعم بأن الاستثمار يشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، مؤكداً وجود فرق شاسع بين عدم اتخاذ موقف متشدد من الصين وبين التعاطف معها.
“مانوس”: تحوّل المقر لتبديد الشبهات
مع استمرار الجدل، أفاد مصدر مطلع، طلب عدم الكشف عن هويته، أن “مانوس” كانت قد اتخذت قرار مغادرة الصين بالفعل عندما بدأت محادثات الاستثمار مع “بنشمارك”. ووفقاً للمصدر، أغلقت الشركة مكاتبها هناك منذ ذلك الحين، لتتخذ اليوم من سنغافورة مقراً لها. هذا التحول الجغرافي يعكس مسعى الشركات الناشئة لفك ارتباطها بالصين لتجنب قيود الاستثمار الأجنبي والشبهات الأمنية المتزايدة.
قيود الاستثمار في عصر التوترات الجيوسياسية
على الرغم من أن استثمار “بنشمارك” الذي ضاعف قيمة “مانوس” خمس مرات ليصل إلى 500 مليون دولار، يُعدّ محدوداً نسبياً مقارنة بضخ عشرات المليارات في شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة الأخرى، إلا أنه يكشف عن شرخ فكري عميق في وادي السيليكون. هذا الشرخ يدور حول العلاقة مع الصين، وحدود الوطنية في عالم الاستثمار العالمي، والتوازن بين السعي وراء الربح والاعتبارات الجيوسياسية.
تاريخياً، لعبت شركات رأس المال الجريء الأمريكية دوراً محورياً في تطوير قطاع الإنترنت الصيني، بضخ مليارات الدولارات في عمالقة مثل “علي بابا” و”بايدو” و”بايت دانس”. بلغ هذا التوجه ذروته في عام 2018، حيث تجاوزت قيمة الصفقات الصينية بمشاركة مستثمرين أمريكيين 40 مليار دولار، بحسب بيانات “بوابة السعودية”.
تغير المناخ الاستثماري بين أمريكا والصين
بدأ المزاج العام يتغير مع تولي دونالد ترامب الرئاسة في عام 2017، واستمر هذا التحول خلال سنوات رئاسة جو بايدن. فقد فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية جديدة وقيوداً على الاستثمارات في الصين، بينما قطعت بعض الشركات الأمريكية علاقاتها الاقتصادية مع بكين. في المقابل، فرضت الصين عوائق جديدة أمام الاستثمارات الأجنبية، ما أدى إلى تراجع كبير في صفقات التقنية.
كشفت بيانات “بوابة السعودية” أن قيمة التمويلات الموجهة إلى الشركات الناشئة في الصين تراجعت بنحو 40% العام الماضي مقارنة بالعام السابق. واقتصرت مشاركة المستثمرين الأجانب على 8.5% فقط من جولات التمويل، وهي النسبة الأدنى منذ أكثر من عقد، مما يعكس تداعيات هذه التوترات على تدفقات رأس المال الجريء.
معضلة الشركات الناشئة ذات الأصول الصينية
في يناير، فُعّلت قواعد أمريكية جديدة تهدف إلى تقييد الاستثمارات في الشركات الصينية العاملة في مجالات أشباه الموصلات، الحوسبة الكمية، والذكاء الاصطناعي. هذه الإجراءات، التي تندرج ضمن برنامج وزارة الخزانة للأمن الاستثماري الخارجي، تحظر تمويل أنظمة الذكاء الاصطناعي المصممة لأغراض عسكرية، استخباراتية، أو للمراقبة الجماعية. تقع مسؤولية الامتثال على عاتق المستثمرين أنفسهم، إذ يتعين عليهم تقييم المخاطر والإبلاغ عن أي استثمار في هذه المجالات الحساسة.
مراجعة وزارة الخزانة الأمريكية
بعد استثمارها في “مانوس”، استعانت “بنشمارك” بمحامين لمراجعة الصفقة، وخلصت إلى أنها غير ملزمة بتقديم إشعار لوزارة الخزانة، نظراً لتصنيف المنتج كتطبيق استهلاكي. ومع ذلك، تلقت الشركة رسالة من وزارة الخزانة تطلب فيها توضيحات بشأن الاستثمار، وفقاً لمصادر مطلعة.
في حال وجدت وزارة الخزانة الأمريكية أن الاستثمار خالف السياسات المعمول بها، قد تُجبر “بنشمارك” على تصفية حصتها، وقد تواجه عقوبات جنائية أو مدنية إضافية، بما في ذلك غرامة تعادل ضعف قيمة الصفقة. ومع ذلك، يستبعد محامون غير مرتبطين بالاستثمار أن يصل الأمر إلى هذه العواقب، خاصة وأن شركة “باترفلاي إفكت” مسجلة في جزر كايمان.
تحديات الشركات الناشئة الصينية الأصل
هذا الواقع المتبدل يضع مؤسسي الشركات الناشئة في الصين أمام معضلة حقيقية: إما جمع التمويل من مستثمرين صينيين والتركيز على السوق المحلية، أو قطع العلاقات مع الصين سعياً إلى جذب تمويل دولي وتوسيع قاعدة المستخدمين. لكن حتى هذا الخيار لا يضمن الإفلات من الشبهات، كما حدث مع شركة “هيي جِن” (HeyGen).
تأسست “هيي جِن” في الصين عام 2020، ثم نقلت مقرها إلى الولايات المتحدة في 2022. قادت “بنشمارك” العام الماضي جولة تمويلية رفعت قيمة “هيي جِن” إلى 500 مليون دولار. لكن في الفترة نفسها تقريباً، أصدرت الحكومة الأمريكية تقريراً أبدى مخاوف من احتمال وجود تأثير صيني في الشركة. وقد عبّر الشريك المؤسس في “هيي جِن”، جوشوا شو، عن إحباطه من هذا التصنيف، مؤكداً أن أصوله الصينية لا علاقة لها بشركته أكثر من شركة مؤسسوها أمريكيون أو كنديون أو بريطانيون.
تنامي الحس الوطني وحذر وادي السيليكون
يتصاعد الحذر من الصين في وقت باتت شركات رأس المال الجريء مثل “فاوندرز فاند” و”أندريسن هورويتز” تركز بتزايد على الاستثمارات في شركات أمريكية تنشط في مجالات الدفاع، الصناعة، والفضاء، متبنية نهجاً وطنياً متشدداً. ففي عام 2023، شارك أسباروهوف في تأسيس “منتدى هيل آند فالي”، الذي يجمع صانعي السياسات والمستثمرين ورواد الأعمال في واشنطن لمناقشة قضايا الأمن القومي.
خلال أحدث جلسات المنتدى، طرح أسباروهوف تساؤلات حول ما إذا كانت لدى “بنشمارك” ارتباطات بالحزب الشيوعي الصيني. وقد أيد هذا التساؤل إميل مايكل، المدير التنفيذي السابق في أوبر والمسؤول الحالي عن التقنية في وزارة الدفاع الأمريكية، الذي أكد وفرة شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية عالية الجودة في السوق.
في المقابل، اعتبر براد غيرستنر، الشريك في تقديم بودكاست غيرلي، أن الانتقادات الموجهة إلى صفقة “مانوس” تنطوي على كره للأجانب. وقد أيّد هذا الرأي عدد من كبار المستثمرين في شركات رأس المال المخاطر، لكنهم فضلوا عدم التصريح علناً لتجنب الخوض في موضوع حساس.
الخوف من فوات الفرص
على الرغم من تصاعد المشاعر المناهضة للصين داخل قطاع رأس المال الجريء، ما يزال هاجس تفويت الفرص (FOMO) حاضراً بقوة. فالمستثمرون يواصلون زيارة الصين، حتى وإن كانوا يصرحون بعدم نيتهم الاستثمار هناك في المدى القريب. هذا التناقض يعكس الصراع الداخلي بين التوجهات الوطنية والمصالح الاقتصادية.
في يونيو، شارك سانتي سوبوتوفسكي، الشريك العام في “إيمرجنس كابيتال” (Emergence Capital)، في جلسة نقاشية حول الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بمنطقة تشاويانغ، أعلن خلالها عن بحثه عن شركات برمجيات مؤسسية مدعومة بالذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة. في الفترة نفسها، زار ممثلو شركة “ثرايف كابيتال” (Thrive Capital) التابعة لجوش كوشنر، الصين بهدف الاطلاع على سوق الذكاء الاصطناعي فيها، رغم تأكيدهم عدم نيتهم الاستثمار هناك.
و أخيرا وليس آخرا: مستقبل الاستثمار التقني في عالم متقلب
لقد أثارت قضية استثمار “بنشمارك” في “مانوس” جدلاً واسعاً، كشفت عن طبقات معقدة من التحديات التي تواجه استثمارات الذكاء الاصطناعي في الصين تحديداً، والتقنية عموماً. هذا الجدل لم يقتصر على كونه مجرد صفقة تجارية، بل تحوّل إلى ساحة تعكس الصراع الأيديولوجي والجيوسياسي بين القوى الكبرى، وتأثيره المباشر على قرارات المستثمرين ومستقبل الشركات الناشئة.
بينما يرى البعض أن الضجة التي أثارها استثمار “بنشمارك” كانت كافية لردع أي مستثمر أمريكي آخر يفكر في صفقات مشابهة، يتساءل آخرون عن مدى استدامة هذا التوجه الوطني المتشدد. هل ستتمكن وادي السيليكون من عزل نفسه تماماً عن فرص النمو الهائلة في أسواق مثل الصين؟ أم أن البراغماتية الاقتصادية ستجد طريقها مجدداً، تحت ضغط الخوف من فوات الفرص، لتعيد تشكيل خارطة الاستثمار التقني العالمي بطرق غير متوقعة؟ الإجابة تكمن في قدرة الفاعلين على الموازنة بين المصالح الوطنية والمكاسب الاقتصادية في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.








