مدينة جرش الأثرية: إرث حضاري عريق في قلب الجزيرة العربية
تتجلَى مدينة جرش الأثرية، الواقعة جنوب الجزيرة العربية، كشاهد حي على تعاقب الحضارات واندثارها، لتترك وراءها بقايا تحكي قصص قرون من الازدهار والقوة. لقد استطاع إنسان هذا المكان تطويع بيئته الغنية، فبرزت جرش كحاضرة للمخلاف، ذات طابع حضاري وزراعي وصناعي متميز بالحصانة والمتانة. هذه الأطلال المهيبة، التي تتوسط الآن محافظة أحد رفيدة شرقي أبها بنحو 30 كيلومترًا، لم تكن مجرد مستوطنة عابرة، بل كانت نقطة التقاء ثقافي وتجاري حيوية، تركت بصماتها في عمق التاريخ.
جرش عبر العصور: من درب البخور إلى الإسلام
منذ آلاف السنين، قبل ظهور الإسلام وبعده، ووصولاً إلى نهاية القرن السابع الهجري، احتلت جرش مكانة استراتيجية كمحطة رئيسية على طريق الحج القادم من اليمن، الذي عُرف باسم “درب البخور”. هذا الموقع المحوري لم يقتصر دوره على التجارة الدينية فحسب، بل امتد ليكون مركزاً للاستيطان البشري، حيث كشفت التنقيبات عن دلائل تشير إلى وجود حياة عمرانية في شمال ووسط الموقع خلال العصر العباسي، وفي جنوبه خلال الفترات الإسلامية الوسيطة والمتأخرة. تُشير هذه الاكتشافات إلى استمرارية الحياة في هذه المنطقة وتأثرها بالتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة.
شاهد على القوة والمتانة: الهندسة المعمارية والفنون
تُظهر بقايا جرش الأثرية براعة فائقة في فنون الهندسة المعمارية، عاكسةً ملامح القوة والمناعة والحضارة التي تميزت بها المدينة. من أبرز الشواهد على ذلك نقش منحوت بالحفر البارز على إحدى صخور الموقع، يصور أسداً ينقض على ثور، وتحته كُتب بالخط المسند عبارة: “ثورن نعمن وأسدن ملقا”. يؤكد المؤرخون أن هذا النقش، الذي يعود تاريخه إلى القرن الأول الميلادي، يرمز إلى القوة والحصانة، ما يعكس وعي أهل جرش بقيمتهم ومكانتهم.
الصناعات في جرش: ريادة زراعية وحرفية عسكرية
اشتهرت جرش كمدينة حضارية للمخلاف، لم تكن مجرد محطة عابرة، بل كانت مركزًا اقتصاديًا مزدهرًا يحتضن مصانع لدباغة الجلود والفخاريات، وتشتهر بصناعاتها الحربية الفريدة من نوعها. فقد كانت تضم مصانع للدبابات والمنجنيق والعرادات، وهي آلات حربية متطورة لعصرها، استخدمت في الحصارات، مما وثقته كتب التاريخ التي أفردت صفحات لوصف هذه المدينة وموقعها الاستراتيجي، وسبب تسميتها، والأعمال الحرفية المتقدمة لساكنيها. هذا التخصص الصناعي منحها تفوقًا دفاعيًا واقتصاديًا مميزًا.
أبعاد جرش الجغرافية والمعمارية
يتميز موقع جرش الأثري بشكله المستطيل، الذي يمتد لمساحة 306 أمتار في 430 مترًا، وتتوزع على طوله من الجنوب إلى الشمال تلال أثرية تتركز كثافتها في المنتصف. في الجهة الشرقية، تبرز جدران ضخمة مبنية من صخور مشذبة وكبيرة الحجم، يتراوح طولها بين 80 سم ومترين، وعرضها حوالي 60 سم. يشابه هذا البناء الضخم والأسلوب المعماري ما هو موجود في موقع الأخدود بمنطقة نجران، مما يشير إلى تشابه في التقنيات الهندسية والصلات الحضارية بين المنطقتين.
البحث والتوثيق: رحلة استكشاف تاريخ جرش
مع بداية ظهور علامات الاختفاء للمدينة في القرن السابع الهجري، بدأت رحلة البحث والتوثيق والتدوين والتحليل عبر صفحات التاريخ، وحفظت أقلام المهتمين والباحثين والمؤرخين والرحالة قصص جرش. ومنذ أكثر من عقد من الزمان، انطلقت هيئة السياحة والتراث الوطني في مسيرة أخرى، تهدف إلى التنقيب والكشف عن بقايا المكان وتفاصيله المدفونة، والحفاظ عليه وتقديمه بما يليق بمكانته التاريخية والحضارات المتعاقبة التي قضت قروناً في هذا الموقع العريق.
تسمية جرش: أقوال المؤرخين وتأصيلات النسب
جمع المؤرخ محمد بن أحمد معبر في كتابه “قصة البحث عن جرش” ثلاثة أقوال في سبب تسمية جرش. اتفق الكثير من المؤرخين على أن التسمية جاءت بناءً على ما أورده ياقوت الحموي، بالاتفاق مع البكري، نقلاً عن أبي المنذر هشام بقوله: “جرش هو لقب منبه بن أسلم بن زيد بن الغوث بن حمير”. ورجح المؤلف القول الثالث بحسب أقوال علماء النسب مثل ابن حزم الأندلسي في “جمهرة أنساب العرب”، الذي ذكر: “وذو يزن وجرش ابنا أسلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن الغوث بن أيمن الهميسع بن حمير”.
أما الهمداني، فقد ذكر في كتابه “صفة جزيرة العرب” أن جرش هي “كورة نجد العليا وهي من ديار عنز ويسكنها ويترأس فيها العواسج من أشراف حمير”، واصفاً إياها بأنها في قاع ولها أشراف غريبة بعيدة تنحدر مياهها في مسيل يمر في شرقيها بينها وبين حمومة، ثم يلتقي هذا السيل أودية ديار عنز حتى تصب في بيشة بعطان، فجرش رأس وادي بيشة. استمر العواسج في جرش حتى نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجري، ثم نزحوا واستقروا في وادي بن هشبل شمال جرش بـ 40 كيلومترًا، وبعضهم سكن بيشة حتى وقتنا الحاضر.
ازدهار جرش ومصيرها: نظرة تاريخية
تحدث الأسطخري في كتابه “المسالك والممالك” المتوفى في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، قائلاً: “ونجران وجرش مدينتان متقاربتان في الكبر بهما نخيل، ويشتملان على أحياء من اليمن كثيرة”. تناولت صفحات التاريخ دخول جرش الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، عندما قدم صرد بن عبد الله الأزدي في السنة العاشرة من الهجرة بوفد من الأزد، فأسلم وحسن إسلامه. أمّره الرسول صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من يليه من أهل الشرك، فذهب وحاصر جرش. كما ذهب وفد منهم وقدموا على الرسول صلى الله عليه وسلم فأسلموا، وحمى لهم حول قريتهم على أعلام معلومة.
تحولات جرش الديموغرافية واختفاء اسمها
يشير الدكتور غيثان بن علي بن جريس، أستاذ التاريخ بجامعة الملك خالد، في كتابه “القول المكتوب في تاريخ الجنوب”، إلى أن اسم أحد رفيدة وما حولها عُرف بمخلاف جرش، مؤكداً تاريخها الحضاري القديم. لا تزال آثار مدينة جرش ماثلة للعيان في مدينة أحد رفيدة حتى اليوم. وتُشير كتب النسب وغيرها من مصادر التاريخ القديمة إلى أن بلاد رفيدة كانت مستوطنة ببعض القبائل الحميرية والخثعمية وغيرها منذ عصر ما قبل الإسلام. ومن القرن الثاني إلى السادس الهجري، برزت قبيلة عنز بن وائل العدنانية لتكون صاحبة الهيمنة على جزء كبير من مخلاف جرش. ولكن في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، لا تذكر المصادر دوراً لهذه القبيلة في جرش، بل إن مصطلح جرش نفسه اختفى من مصادر التاريخ الرئيسية منذ القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). وفي ذلك ما ذكره ابن كثير في كتاب “البداية والنهاية” بأن جرش هلكت بمرض الطاعون عام 597 هجري، وكانت قراها 20 قرية هلك منها 18 قرية، وهو ما يفسر اختفاء ذكرها.
الحياة الاقتصادية والمهن في جرش ومخلافها
في سياق الجوانب الحضارية لمخلاف جرش، أورد الدكتور غيثان بن جريس في مؤلفاته أن طبيعة المنطقة سمحت بازدهار نشاطات مهنية متعددة، مثل الرعي والزراعة والصناعات والحرف اليدوية والتجارة، فضلاً عن الازدهار العمراني. ويعزى ذلك إلى خصوبة تربتها وموقعها الجيد. وأكد أن أقرب دليل على بروز هذه المهن هو ما ورد في كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، والذي حمى لهم الحمى الذي أسلموا عليه، والحمى لا يوجد إلا بوجود المواشي والبهائم التي ترعى فيه، مما يدل على كثرة الثروة الحيوانية.
كما أضاف أن تأكيد بعض الجغرافيين على كثرة الأدم ودباغة الجلود في مخلاف جرش دليل آخر على كثرة المواشي. ومن المنتوجات الزراعية التي اشتهرت بها جرش، الحبوب كالقمح والشعير والذرة، وقد كان إنتاجها يفيض عن الحاجة ليصدر إلى حواضر الحجاز واليمن. أما منتوجات الثمار، فتمثلت في الزبيب والتمر، والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أهل جرش عن خلط الزبيب بالتمر. ويعد العنب الجرشي من أجود الأصناف، وقد أثنى على جودته المؤلفون الأوائل مثل الأصمعي في كتابه “النخل والكرم”.
الصناعات الحرفية والحربية
تعددت المهن والحرف الصناعية في مخلاف جرش. ومن الثابت أن دباغة الجلود وخرازتها ازدهرت ازدهاراً عظيماً، حتى صارت “أدم جرش” مشهورة في الأسواق الخارجية مثل أسواق العراق وفارس وبلاد الشام. أما الصناعات الحربية، فقد اشتهر المخلاف بصناعة الدبابات والمجانيق والعرادات. كانت الدبابات آلة خشبية مغطاة بجلود البقر، يدخل فيها الرجال ليقتربوا من الحصون المحاصرة وينقبوا جدرانها، محتمين بها من الحجارة. والمجانيق والعرادات كانت آلات حصار ترمى بواسطتها الحجارة الثقيلة على الأسوار.
جرش: مركز تدريب عسكري في الماضي
تاريخياً، كانت جرش محجّاً للأغنياء من مكة المكرمة والطائف وغيرهم، لتعلم الصناعات الحربية بهدف حماية أنفسهم وأموالهم. وممن ذهب إليها في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، عروة بن مسعود الثقفي وغيلان بن سلمة، اللذان أقاما فيها ليتعلما صناعة العرادات والدبابات أثناء محاصرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمدينة الطائف. هذه الروايات تؤكد المكانة المهنية والعسكرية التي كانت تحتلها جرش.
اكتشافات التنقيب الحديثة في جرش
في السنوات الأخيرة، كشفت الأعمال الميدانية لفرق التنقيب التابعة للهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، على مدار 11 موسماً، عن ظواهر أثرية هامة. من أبرز هذه الاكتشافات حصن جرش، وأساسات لمسجدين: مسجد كبير مبني فوق مسجد أقدم منه، يعودان لفترة إسلامية مبكرة، وقد بُنيا على أساسات الحصن الذي يرجع لفترة ما قبل الإسلام. كما اكتشفت القنوات المائية المحاذية للمسجد الإسلامي القديم.
في الطبقات السفلى من الموقع، عُثر على أجزاء من أوانٍ فخارية بأشكال مختلفة، مثل الجرار والطاسات والأكواب متوسطة الحجم، مصنوعة من عجينة حمراء اللون، مسامية وصلبة، ويظهر على بعضها طلاء بالمغرة الحمراء. تنوعت الزخارف بين المصبعة والحزوز والمنقطة والخطوط المتموجة والهندسية، كالمثلثات والدوائر والشبكية. وقد تمت الصناعة بواسطة عجلة الفخراني (الدولاب)، وتشابه هذه المكتشفات ما عُثر عليه في موقع الأخدود بنجران. كما عُثر على فخار الفترة الإسلامية في الأجزاء الشمالية الشرقية والوسطى من الموقع.
مشروع مركز الزوار في جرش الأثرية
أيدت تقارير المسح الأثري التي أجريت في المنطقة الجنوبية الغربية للمملكة، الموثقة عام 1400 هـ، والتي استخدم فيها تحليل الكربون-14، الرأي القائل بأن الموقع شهد فترة استيطانية أولى خلال الحقبة الزمنية القديمة، ثم فترة ثانية في بداية العصر الإسلامي. وقد أظهر تحليل طبقات التربة أن الطبقة السفلية تعود إلى القرن الأول بعد الميلاد، وأن الطبقة الخامسة ترجع لعام 280 ميلادية، بينما تعود الطبقات العلوية لفترات لاحقة.
على ضوء هذه المكانة التاريخية وما تم العثور عليه من مكتشفات ومقتنيات أثرية، قامت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بإنشاء مشروع مركز للزوار وتسوير موقع جرش الأثري. كما تعمل على تطوير الواجهة الشمالية لتكون مدخلاً مباشراً للموقع، بالشراكة مع أمانة المنطقة ممثلةً في بلدية محافظة أحد رفيدة. ومن المقرر افتتاح مركز الزوار قريباً، على مساحة تتجاوز 600 متر مربع، ليضم قاعة رئيسية لعرض المكتشفات الأثرية والصور والخرائط والرسومات والأفلام المرئية والمعلومات الدقيقة عن حضارة جرش وتاريخها، إضافة إلى قاعة لكبار الزوار ومرافق عامة لخدمة الزوار. هذا المركز يهدف إلى التعريف بهذا الإرث الحضاري الهام وإتاحته للجمهور.
و أخيرا وليس آخرا
لقد كشفت رحلة الغوص في تاريخ مدينة جرش الأثرية عن طبقات غنية من الحضارة والإبداع البشري، من كونها محطة استراتيجية على درب البخور إلى مركز صناعي وعسكري مزدهر، قبل أن تبتلعها عوامل التاريخ وتتحول إلى أطلال صامتة. إن جهود التنقيب والتوثيق الحديثة، ومشروع مركز الزوار، لا تمثل مجرد إعادة إحياء لاسم قديم، بل هي اعتراف بقيمة هذا الموقع ككنز حضاري يروي فصولاً مهمة من تاريخ الجزيرة العربية. فهل ستعيد هذه الجهود لجرش مكانتها كأيقونة معرفية وثقافية، تلهم الأجيال القادمة لاستكشاف المزيد من كنوز أرضنا؟











