مخالفات السوق المالية السعودية: قرارات حاسمة لتعزيز النزاهة
تؤكد هيئة السوق المالية التزامها الثابت بضمان نزاهة السوق المالية وحماية حقوق المستثمرين. وقد أصدرت لجنة الاستئناف في منازعات الأوراق المالية ثلاثة قرارات نهائية بحق ستة مستثمرين وشركتين استثماريتين. جاءت هذه القرارات على خلفية مخالفات تتعلق بنظام السوق المالية ولوائح السلوك والأعمال الخاصة بالأوراق المالية، وبلغ مجموع الغرامات المفروضة حوالي 14.5 مليون ريال سعودي.
تفاصيل القرارات والإدانات
شملت هذه القرارات حالات متنوعة من المخالفات، تراوحت بين ممارسة أنشطة غير مرخصة وإغفال الإفصاح عن معلومات جوهرية وتضليل في مستندات التسجيل.
القرار الأول: أنشطة غير مرخصة لشركة ديار التمليك العقارية
أدانت لجنة الاستئناف، بقرارها الأول، كلاً من ماجد بن رافع الغامدي، وشركة ديار التمليك العقارية، وعبدالرحمن بن رافع الغامدي. أُدين هؤلاء بمخالفة المادة 31 من نظام السوق المالية، إضافة إلى المادتين الخامسة و17 من لائحة أعمال الأوراق المالية.
الممارسات المخالفة
جاءت المخالفة نتيجة ممارسة أعمال أوراق مالية غير مرخصة، تحديداً نشاط “الإدارة”، من خلال تأسيس وتشغيل صناديق عقارية. استمرت هذه الممارسات بين 27 فبراير 2023 و16 نوفمبر 2023. جرى الترويج لهذه الصناديق عبر حساب “diyar_altamlik” على منصتي سناب شات وإنستغرام، بالإضافة إلى الموقع الإلكتروني للشركة على بوابة السعودية. تم تحصيل نسبة من المبالغ المستثمرة مقابل هذه الخدمات دون الحصول على ترخيص من هيئة السوق المالية.
العقوبات المفروضة
فرضت غرامة قدرها 50 ألف ريال على كل مدان لمخالفة المادة 31 من نظام السوق المالية والمادة الخامسة من لائحة أعمال الأوراق المالية. كما فُرضت غرامة إضافية بقيمة 50 ألف ريال على كل منهم لمخالفة المادة 17 من لائحة أعمال الأوراق المالية.
القرار الثاني: إغفال الإفصاح في صندوق ميفك ريت
أدان القرار الثاني للجنة الاستئناف شركة الشرق الأوسط للاستثمار المالي، وإبراهيم بن عبدالله الحديثي، وتركي بن عبدالله الفوزان. ارتكب هؤلاء مخالفة المادة 49 من نظام السوق المالية والمادة السابعة من لائحة سلوكيات السوق.
جوهر المخالفة
تمثلت المخالفة في إغفال شركة الشرق الأوسط للاستثمار المالي، بمشاركة الحديثي والفوزان، الإفصاح عن تطور جوهري متعلق بالوضع المالي لصندوق ميفك ريت. حدث هذا التغير في المركز المالي للصندوق عند إدراجه بتاريخ 13 نوفمبر 2018، مقارنة بالمركز المالي المعلن في مذكرة الشروط والأحكام الصادرة بتاريخ 26 مارس 2018، والتي كانت متاحة للجمهور خلال فترة الطرح الأولي للصندوق من 4 أبريل 2018 حتى 15 مايو 2018.
تفاصيل التغير في القيمة الدفترية
تضمن التغير انخفاضاً في القيمة الدفترية للصندوق عند الإدراج بنسبة 27.81% مقارنة بالقيمة المفترضة المذكورة في مذكرة الشروط والأحكام. كان الإفصاح عن هذا التغير إلزامياً بموجب التعليمات الخاصة بصناديق الاستثمار العقارية المتداولة الصادرة عن مجلس هيئة السوق المالية.
العقوبات
فُرضت غرامة مالية قدرها 81,250 ريالاً على كل من المدانين الثلاثة. بالإضافة إلى ذلك، مُنع إبراهيم الحديثي وتركي الفوزان من مزاولة الوساطة أو إدارة المحافظ أو العمل كمستشارين استثماريين لمدة عامين.
القرار الثالث: تضليل في مستند تسجيل أسهم شركة رواسي البناء للاستثمار
أدان القرار الثالث والنهائي للجنة الاستئناف في منازعات الأوراق المالية كلاً من محسن بن متعب العتيبي وعبدالرحمن بن عبدالله العبدالكريم. جاءت الإدانة لمخالفتهما الفقرة (أ) من المادة 49 من نظام السوق المالية والمادة السابعة من لائحة سلوكيات السوق.
طبيعة التضليل
تعود المخالفة إلى اشتراك المدانين في تقديم بيان غير صحيح ضمن مستند تسجيل أسهم شركة رواسي البناء للاستثمار. كان الهدف من هذا الإجراء التحايل على متطلبات السيولة اللازمة للإدراج في السوق الموازية. فقد جرى التصريح في مستند التسجيل بأن نسبة ملكية الجمهور بلغت 40.14% من إجمالي الأسهم، بينما لم تتجاوز الملكية الفعلية للجمهور 6.77% من إجمالي أسهم الشركة.
تداعيات المخالفة
أدى هذا التضليل إلى إدراج الشركة في السوق الموازية مع بقاء نسبة 93.23% من أسهمها مملوكة لأشخاص مستثنيين من الجمهور. تضمن مستند التسجيل ملكية عدد من المساهمين للأسهم بشكل صوري بهدف زيادة النسبة المخصصة للجمهور وتأهيل الشركة للإدراج، مما خلق انطباعاً مضللاً وغير دقيق.
العقوبات المشددة
تضمن القرار غرامة مالية على محسن العتيبي بقيمة ستة ملايين ريال، بينما غُرّم عبدالرحمن العبدالكريم ثمانية ملايين ريال. كما مُنع الاثنان من العمل في الجهات الخاضعة لإشراف هيئة السوق المالية لمدة ثلاث سنوات.
أهمية قرارات لجنة الاستئناف
أكدت هيئة السوق المالية أن هذه القرارات الصادرة عن لجنة الاستئناف في منازعات الأوراق المالية تعد حصيلة للتعاون المستمر بين الهيئة والجهات المعنية ذات العلاقة. وقد صدرت القرارات بناءً على الدعاوى الجزائية العامة التي أقامتها النيابة العامة وأحالتها من هيئة السوق المالية ضد المستثمرين المخالفين لنظام السوق المالية.
تعزيز ثقة المستثمرين
تشدد الهيئة على الأهمية الكبرى لثقة المستثمرين في تطوير السوق المالية. تواصل الهيئة عملها الدؤوب في رصد المخالفات وضبط مرتكبيها، مع استكمال الإجراءات لفرض عقوبات رادعة. تهدف هذه الجهود إلى توفير بيئة استثمارية جاذبة وآمنة لجميع فئات المستثمرين، وحمايتها من الممارسات غير العادلة أو الاحتيالية أو التضليلية.
حقوق المتضررين وآلية المطالبة بالتعويض
أوضحت الأمانة العامة للجان الفصل في منازعات الأوراق المالية أنه يحق لكل من أبرم اتفاقاً أو عقداً مع المدانين في القرار الأول، بخصوص المخالفات المعلنة، إقامة دعوى فردية أو جماعية لدى اللجنة. تهدف هذه الدعاوى إلى المطالبة بفسخ الاتفاق أو العقد واسترداد أي أموال أو ممتلكات دُفعت أو حُولت بموجبه، وذلك وفقاً لما نصت عليه الفقرة (ب) من المادة 60 من نظام السوق المالية.
طلب التعويض عن الأضرار
كذلك، يحق للمتضررين من المخالفات المذكورة في القرارين الثاني والثالث تقديم دعوى فردية أو جماعية إلى لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار. يشترط في جميع الحالات الثلاث تقديم شكوى مسبقة إلى هيئة السوق المالية بهذا الشأن قبل رفع الدعوى.
الإعلان عن الدعاوى الجماعية
أشارت الهيئة إلى أن الأمانة العامة للجان الفصل في منازعات الأوراق المالية ستعلن للعموم على موقعها الإلكتروني عن أي دعوى جماعية تُقيد. يتيح هذا الإجراء لبقية المستثمرين المتضررين من ذات المخالفات التقدم بطلب الانضمام للدعوى الجماعية. أعلنت الأمانة العامة للجان الفصل هوية المخالفين للعموم على موقعها الإلكتروني بعد ثبوت المخالفات والعقوبات وصدور القرارات النهائية.
و أخيرا وليس آخرا:
تؤكد هذه القرارات الحازمة الصادرة عن هيئة السوق المالية ولجنة الاستئناف مدى الالتزام الراسخ بحفظ نزاهة السوق المالية وتدعيم ثقة المستثمرين. بفرض عقوبات رادعة على المخالفين، تسعى الهيئة لخلق بيئة استثمارية عادلة وشفافة، تضمن حماية حقوق جميع الأطراف وتساهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي الوطني. يبقى التساؤل: كيف ستشكل هذه الإجراءات مستقبل الاستثمار في السوق المالية السعودية، وهل ستعزز الوعي بأهمية التقيد الصارم بالقوانين واللوائح المنظمة؟








