مختار عالم شقدار: الخطاط المبدع ودرة كسوة الكعبة المشرفة
لطالما كانت الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين ومركز اهتمامهم، تزدهي بكسوتها التي تحمل آيات الذكر الحكيم بخطوط عربية فاتنة، لتغدو تحفة فنية وروحية تتجسد فيها عظمة الخط العربي. في هذا السياق، يبرز اسم مختار عالم شقدار، الذي يُعد أحد أعمدة فن الخط في العصر الحديث، والذي ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بشرف كتابة كسوة الكعبة المشرفة. إن مسيرة هذا الفنان ليست مجرد سرد لمناصب إدارية أو إنجازات مهنية، بل هي قصة شغف يمتد لعقود مع فن الخط العربي، وتفانٍ في خدمة أقدس البقاع، مما يجعله نموذجًا فريدًا للعطاء والإبداع في خدمة التراث الإسلامي.
نشأة خطاط الكسوة وبداياته الملهمة
وُلد مختار عالم شقدار في العاشر من جمادى الآخرة عام 1382هـ الموافق للثامن من نوفمبر عام 1962م. نشأ وترعرع في مكة المكرمة، المدينة التي تنبض بالروحانية والتاريخ، والتي كانت البيئة المثلى لتفتّح موهبته وتعمق ارتباطه بالقرآن الكريم والخط العربي. في سن مبكرة، حفظ مختار القرآن الكريم، وتلقى أولى دروسه في فنون الخط، ليبدأ رحلة تدريس هذا الفن العريق في رحاب الحرم المكي الشريف وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، في دلالة واضحة على نبوغه المبكر وتمكنه.
الانطلاق نحو خدمة الكعبة المشرفة
شكل عام 1423هـ (2002م) نقطة تحول مفصلية في مسيرة مختار عالم شقدار، حيث بدأ عمله رسميًا في مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة. لم يكن هذا الانضمام مجرد توظيف، بل كان تتويجًا لشغف طويل وموهبة فذة. سبق ذلك لقاء مصيري جمعه بالخطاط محمد سالم باجنيد، الذي كان له دور بارز في تصميم وتطريز كسوة الكعبة. كان باجنيد هو من اكتشف في شقدار هذه الموهبة الفريدة، وقدمه لمدير مصنع الكسوة آنذاك، مشجعًا إياه على الانضمام لهذا الصرح العظيم، ليخط بذلك فصلًا جديدًا في تاريخ هذا الفن المقدس.
مسيرة أكاديمية وإبداعية متجذرة
لم يكتفِ مختار عالم شقدار بممارسة الخط، بل سعى إلى تعميق معرفته وتأصيلها أكاديميًا. في عام 1398هـ (1978م)، أتم حفظ القرآن الكريم في جمعية تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة، ثم حصل على شهادة من معهد دار الأرقم لتحفيظ القرآن الكريم في عام 1400هـ (1980م). توسع طموحه ليشمل الدراسة الجامعية، فحصل على درجة البكالوريوس في التربية الفنية من جامعة أم القرى عام 1413هـ (1993م)، ثم نال درجة الماجستير في التخصص ذاته، مع التركيز على الخط العربي، من الجامعة نفسها عام 1422هـ (2001م). هذا المسار الأكاديمي يبرهن على حرصه على الجمع بين الموهبة الفطرية والعلم المنهجي.
خبرة فريدة في فن الخط العربي
يُعد شقدار مديرًا لأكاديمية الحرمين الشريفين للخط العربي، وقد أمضى حوالي أربع وأربعين عامًا في تعليم الخط العربي وفنونه، تاركًا بصمة واضحة في هذا المجال. أما فيما يخص عمله في كتابة الخطوط على كسوة الكعبة المشرفة، فقد تجاوزت خبرته العشرين عامًا، وهي فترة زمنية كفيلة بمنحه معرفة عميقة ودراية فريدة بأدق تفاصيل هذا العمل الجليل. تتطلب هذه المهمة دقة متناهية، وحرفية عالية، ووعيًا روحانيًا يتجاوز مجرد الكتابة، ليكون كل حرف نقشًا يعكس قدسية المكان والرسالة.
مشاركات دولية ومحلية تعزز مكانته
لم تقتصر إسهامات مختار عالم شقدار على العمل في مجمع الكسوة والتدريس، بل تعدت ذلك إلى مشاركات واسعة في محافل الخط العربي، مما أكسبه شهرة واسعة على المستويين المحلي والدولي. شارك في المسابقة الدولية للخط العربي التي تقام في إسطنبول بتركيا، وهي مسابقة مرموقة تُعقد كل ثلاث سنوات، وذلك في عدة دورات بين الأعوام 1409هـ و1424هـ.
إنجازات وجوائز
على الصعيد المحلي، نال المركز الأول في المسابقة السابعة للخط العربي على مستوى المملكة، والتي أُقيمت تحت شعار “الخط للجميع” في الرياض بتاريخ 25 محرم 1421هـ (2000م)، وهو إنجاز يعكس تفوقه وتميزه. كما شارك في العديد من الملتقيات والمعارض البارزة، مثل ملتقى الشارقة ومعرض دبي الدولي في دورات مختلفة امتدت من عام 1425هـ (2004م) وحتى عام 1433هـ (2012م). واستمرت مشاركاته الفاعلة في فعاليات ثقافية هامة، منها معرض الخط العربي لأبرز الخطاطين بالعالم في “مسك آرت” بالرياض عام 1440هـ (2019م)، وفعاليات يوم اللغة العربية العالمي للأعوام 1442-1445هـ (2021-2024م) بالهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي ومجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة.
حضور في فعاليات الحج والعمرة
لم يغب حضوره عن أهم المعارض المرتبطة بمكة المكرمة وخدمة ضيوف الرحمن، فقد شارك في معرض الحج والعمرة بـ”سوبر دووم” بجدة لعامين متتاليين (1444-1445هـ / 2022-2023م). تُظهر هذه المشاركات المتعددة والمتنوعة مدى التزام شقدار بنشر فن الخط العربي وتعزيز مكانته، وتقديره لأهمية الحضور في المحافل التي تحتفي بهذا التراث العريق، ليكون سفيرًا للخطاطين السعوديين.
و أخيرا وليس آخرا
يُجسد مختار عالم شقدار قصة فنان سعودي كرّس حياته لخدمة أقدس المقدسات من خلال إبداعه في فن الخط العربي. من جنبات الحرم المكي إلى أكاديمية الخط، ومن كتابة كسوة الكعبة إلى المحافل الدولية، سطر شقدار اسمه بحروف من نور في تاريخ هذا الفن العريق. لقد أثبت أن الفن يمكن أن يكون وسيلة سامية لخدمة الدين والتراث، وأن الإبداع الحقيقي ينبع من الشغف والالتزام. فهل يمكن لمسيرة فنان مثل مختار عالم شقدار أن تلهم جيلًا جديدًا من الشباب للحفاظ على جماليات الخط العربي وتطويرها، ليظل هذا الفن شعلة متقدة في قلوب الأمة؟











