مسيرة التنمية والإدارة: إطلالة على حياة أمين العاصمة المقدسة السابق محمد بن عبدالله القويحص
تزخر سجلات التاريخ الحديث بالمملكة العربية السعودية بشخصيات أسهمت بفاعلية في بناء صروح التنمية وتحقيق نقلات نوعية في مختلف القطاعات الحيوية. من بين هذه الشخصيات البارزة، يبرز اسم المهندس محمد بن عبدالله القويحص، الذي تولى مهام جسيمة في إدارة مشاريع حيوية وقيادة قطاعات خدمية رئيسية، ليس أقلها أمانة العاصمة المقدسة. إن مسيرته المهنية التي امتدت لعقود، تُعد نموذجًا لنهج الإدارة الرشيدة والتفاني في خدمة الوطن، وتعكس بجلاء التطور المؤسسي والنهضة العمرانية التي شهدتها المملكة. كان القويحص، الذي شغل منصب أمين العاصمة المقدسة بين عامي 1439-1443هـ (2018-2022م)، الرقم الثامن عشر في تسلسل أمنائها، وهو ما يضعه في سياق تاريخي لجهود متواصلة في إدارة واحدة من أهم المدن الإسلامية على الإطلاق.
النشأة التعليمية وبدايات التخصص الهندسي
شكلت الخلفية الأكاديمية للمهندس محمد القويحص حجر الزاوية في بناء مسيرته المهنية الحافلة بالإنجازات. فبعد تخرجه من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عام 1398هـ (1978م) حاملًا شهادة الهندسة الكيميائية، انخرط في بيئة تدريبية متقدمة في إدارة المشاريع بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1401هـ (1981م). هذا التدريب المبكر في شركة ليو أدلي أوماها نبراسكا، مكنه من اكتساب رؤى عميقة في التخطيط والإدارة، وهي مهارات كانت ضرورية للمشاريع الكبرى التي سيشرف عليها لاحقًا. لم يقتصر دوره على الجانب التطبيقي، بل امتد ليشمل المشاركة الفاعلة في العديد من ورش العمل والمؤتمرات داخل المملكة وخارجها، مما يعكس حرصه على التفاعل مع أحدث التطورات في مجاله.
محطات بارزة في الخبرة العملية
توزعت الخبرات العملية للمهندس محمد القويحص بين القطاعين الحكومي والخاص، مما أثرى تجربته ومنحه فهمًا شاملًا لتحديات التنمية. بدأت مسيرته في الدار السعودية للخدمات الاستشارية ومركز الأبحاث والتنمية الصناعية، حيث عمل مهندسًا في الفترة من 1398هـ (1978م) إلى 1402هـ (1982م). ثم انتقل ليتقلد منصب مدير عام إدارة المشاريع والصيانة في وزارة الصحة السعودية، وهي فترة شهدت إشرافه على عدد ضخم من المشاريع الإنشائية الصحية، استمرت من 1402هـ (1982م) حتى 1418هـ (1997م).
تلا ذلك توليه مهام مدير عام إدارة المياه والصرف بمنطقة مكة المكرمة بين عامي 1419-1421هـ (1998-2000م)، حيث واجه تحديات إدارة البنية التحتية الحيوية في منطقة ذات كثافة سكانية وزوارية عالية. بعد ذلك، شغل عضوية مجلس الشورى السعودي لفترة طويلة امتدت من 1422هـ (2001م) إلى 1439هـ (2018م)، مما أتاح له المساهمة في صياغة التشريعات والرقابة على الأداء الحكومي. وقبل توليه أمانة العاصمة المقدسة، كانت له تجربة في القطاع الخاص بين عامي 1434-1439هـ (2013-2018م)، ثم اختتم مسيرته بتقلده منصب أمين العاصمة المقدسة بالمرتبة الممتازة.
إسهامات في لجان ومجالس وطنية
لم تقتصر مشاركات محمد القويحص على المناصب التنفيذية، بل امتدت لتشمل عضويته في عدد من اللجان والمجالس الوطنية ذات الأهمية الاستراتيجية. فقد ترأس لجنة المياه والإسكان والمرافق العامة في مجلس الشورى لمدة ست سنوات، وهي فترة حاسمة شهدت نموًا سكانيًا وعمرانيًا متسارعًا، مما تطلب رؤية واضحة في تطوير هذه القطاعات. كما كان عضوًا في اللجنة السعودية اليابانية المشتركة، وعضوًا في مجلس الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس، إضافة إلى مجلس إدارة الهيئة السعودية للمهندسين. هذه العضويات تعكس ثقة المؤسسات الوطنية في خبراته وقدرته على الإسهام في وضع المعايير وتطوير السياسات.
إنجازاتٌ راسخة في سجل التنمية
تتجسد إنجازات محمد القويحص في مشاريع حيوية غيرت من وجه البنية التحتية في عدة مناطق بالمملكة. فخلال عمله في وزارة الصحة، أشرف على إنشاء نحو 100 مستشفى، وهو رقم يعكس حجم الجهد والتخطيط المبذول. من أبرز هذه الصروح الطبية: مدينة الملك فهد الطبية بالرياض، ومستشفيات بسعة 350 سريرًا في بيشة وعنيزة، إضافة إلى مستشفيات بسعة 500 سرير في مدن كبرى مثل مكة المكرمة وأبها وبريدة. هذه المشاريع لم تكن مجرد مبانٍ، بل كانت ركائز أساسية لتوفير الرعاية الصحية الشاملة للمواطنين والمقيمين.
وفي مجال البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، شهدت محافظة جدة ومكة المكرمة والطائف تنفيذ عدة مشاريع كبرى تحت إشرافه. كان من بينها وضع المخطط العام لشبكة مياه الصرف الصحي بجدة، وتنفيذ محطة معالجة لمياه الصرف الصحي، بالإضافة إلى حل مشكلة التلوث البيئي التي كانت تعاني منها بحيرة السلام. كما تم تنفيذ مشاريع مياه وصرف متنوعة تقدر قيمتها بنحو 700 مليون ريال في مكة المكرمة وجدة والطائف، وتنفيذ المخطط الهيكلي لشبكة الصرف والمياه في العاصمة المقدسة. هذه المشاريع الحيوية ساهمت بشكل كبير في تحسين جودة الحياة وتوفير بيئة صحية ومستدامة للمدن المستفيدة.
و أخيرا وليس آخرا
تُظهر مسيرة المهندس محمد بن عبدالله القويحص نموذجًا يحتذى به في القيادة الإدارية والتفاني في خدمة الوطن. من مقاعد الدراسة الهندسية إلى قمم الإدارة والتخطيط في القطاعات الحيوية، ترك بصمة واضحة في تطوير البنية التحتية الصحية والمائية في المملكة. إن الإنجازات التي تحققت تحت إشرافه لم تكن مجرد أرقام أو مبانٍ، بل كانت استجابة فعلية لاحتياجات المجتمع، ولبنة أساسية في صرح التنمية المستدامة التي تشهدها البلاد. وفي ظل التطلعات المستقبلية، كيف يمكن لهذه التجارب والخبرات المتراكمة أن تُشكل إلهامًا للأجيال القادمة من القادة والمهندسين في مواجهة تحديات التنمية المستمرة؟











