مسيرة الأستاذ فهد السماري: ريادة في خدمة التوثيق والتراث الوطني
في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، تبرز قامات وطنية أسهمت بعمق في صياغة الوعي التاريخي وحفظ الذاكرة الوطنية. من هذه القامات، يأتي الأستاذ فهد عبدالله السماري، الذي يمثل نموذجًا للجهد الدؤوب في خدمة التراث والتوثيق، مقدمًا إسهامات جليلة تركت بصماتها الواضحة في مجالات عدة. لقد كانت مسيرته المهنية الحافلة، سواء في الديوان الملكي أو في المؤسسات الثقافية والتاريخية، شاهدة على التزام لا يتزعزع تجاه تعزيز مكانة التاريخ السعودي، وتأكيد أهمية المحافظة على الموروث الثقافي للأجيال القادمة. هذا المقال سيسلط الضوء على رحلته المُلهمة، مستعرضًا أبرز محطاته وإنجازاته التي تتجاوز مجرد الوظائف لتلامس جوهر الهوية الوطنية.
قامة وطنية في قلب العمل الرسمي والثقافي
يُعد فهد عبدالله السماري، المولود عام 1377هـ الموافق 1958م، شخصية محورية في المشهد الثقافي والسياسي السعودي. فقد تولى منصب مستشار في الديوان الملكي بمرتبة وزير منذ عام 1436هـ الموافق 2015م، وهو المنصب الذي يعكس ثقة القيادة في قدراته وخبراته الواسعة. قبل ذلك، قاد السماري دفة الأمانة العامة لدارة الملك عبدالعزيز منذ عام 1428هـ الموافق 2007م، مؤسسةً بذلك مرحلة جديدة من التطور والاحترافية في حفظ التاريخ الوطني. هذه المناصب الرفيعة لم تأتِ من فراغ، بل هي تتويج لمسيرة مهنية مكللة بالنجاحات المتتالية.
محطات مهنية فارقة وتكريم مستحق
شغل السماري سابقًا عدة مناصب مهمة، منها مستشار بديوان ولي العهد، ووكيل لوزارة التعليم العالي للعلاقات الثقافية. تعكس هذه الأدوار المتنوعة قدرته على التأقلم والتميز في بيئات عمل مختلفة، فضلاً عن مرونته في التعامل مع الملفات الحساسة والاستراتيجية. تقديرًا لجهوده، حاز السماري على وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى، وهو أرفع الأوسمة التي تمنحها المملكة للمتميزين. كما نال تقديرًا دوليًا، حيث حصل على وسام الفارس من الحكومة الإيطالية عام 1436هـ الموافق 2015م، ووسام ضابط كبير من درجة التضامن من سفارة جمهورية إيطاليا بالمملكة عام 1429هـ الموافق 2008م. هذه الأوسمة تعكس الأثر الإيجابي لعمله على الصعيدين الوطني والدولي.
رحلة أكاديمية وعلمية أسست لمسيرة استثنائية
لم تكن إسهامات فهد السماري في المجال العام مجرد نتيجة لخبرة عملية فحسب، بل هي مبنية على أساس أكاديمي متين ورؤية فكرية عميقة. كانت الرياض مسقط رأسه عام 1377هـ الموافق 1958م، ومنها انطلقت رحلته التعليمية التي شكلت وعيه ومنهجه في التعامل مع التاريخ والتوثيق.
التعليم العالي: أساس البحث والمعرفة
حصل السماري على شهادة البكالوريوس في تخصص التاريخ من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1401هـ الموافق 1980م. لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل دراساته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نال درجة الماجستير عام 1406هـ الموافق 1986م، والدكتوراه عام 1410هـ الموافق 1989م من جامعة كاليفورنيا ريفرسايد. وقد تخصص في مجال التاريخ الحديث والعلاقات الدولية، مما منحه رؤية تحليلية معمقة مكنته من ربط الأحداث التاريخية بالسياقات الإقليمية والدولية المعاصرة. هذه الخلفية الأكاديمية القوية كانت اللبنة الأساسية لجميع إنجازاته اللاحقة في التوثيق وصناعة المحتوى التاريخي.
إسهامات السماري في توثيق التاريخ الوطني
تجسدت جهود الأستاذ فهد السماري في توثيق التاريخ الوطني السعودي عبر إسهاماته في العديد من المؤسسات والمشاريع الثقافية الكبرى. لقد كان له دور بارز في إثراء المحتوى التاريخي والفكري، مما جعله يحصد تقديرًا كبيرًا في الأوساط الثقافية.
تقدير ثقافي وشخصية العام
في عام 1443هـ الموافق 2021م، حاز السماري لقب شخصية العام الثقافية ضمن جائزة الأمير عبدالله الفيصل، تكريمًا لدوره الكبير في المشهد الثقافي السعودي. هذا التكريم لم يقتصر على الجوائز، بل امتد إلى التقدير الرسمي من قبل شخصيات مرموقة مثل الأمير خالد الفيصل، مستشار خادم الحرمين الشريفين وأمير منطقة مكة المكرمة، الذي كرمه على جهوده المتميزة. هذه الإنجازات تضع السماري في مصاف الرواد الذين كرسوا حياتهم لخدمة الثقافة والتاريخ في المملكة.
مسؤوليات وعضويات متعددة تعكس دورًا محوريًا
يتميز الأستاذ فهد السماري بحضوره الفاعل في عدد كبير من اللجان والمجالس والمؤسسات ذات الأهمية القصوى، مما يعكس الثقة الكبيرة في خبراته وقدراته القيادية. هذه العضويات والمسؤوليات المتعددة تؤكد دوره المحوري في تشكيل العديد من السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بالتراث والتوثيق.
قيادة مؤسسات التوثيق والتراث
يتولى السماري مهامًا قيادية عدة، منها الأمين العام للأمانة العامة لمراكز الوثائق والدراسات بدول مجلس التعاون الخليجي، والمشرف العام على المركز الوطني للوثائق والمحفوظات. هاتان المسؤوليتان تبرزان دوره في حفظ الذاكرة الجماعية لدول الخليج والمملكة. كما يشغل عضوية مجلس إدارة هيئة تطوير بوابة الدرعية، ورئاسة اللجنة التنفيذية للتراث والثقافة بالمجلس، وعضوية مجلس إدارة هيئة التراث بوزارة الثقافة، ورئاسة لجنتها التنفيذية، مما يجعله فاعلًا أساسيًا في مشاريع التراث الكبرى التي تهدف إلى إبراز العمق التاريخي للمملكة.
إسهامات في مجالس ومراكز فكرية
يمتد تأثير السماري إلى رئاسة تحرير مجلة الدارة، وعضوية مجلس أمناء المتحف الوطني، وعضوية اللجنة الاستشارية لتطوير قسم التاريخ بجامعة الملك سعود. كما يتولى عضوية مجلس إدارة شركة تطوير وسط مدينة الرياض، ومجلس أمناء مجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية، والهيئة الاستشارية العليا لكرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة بجامعة أم القرى. هذه العضويات المتنوعة تؤكد قدرته على دمج الرؤى الأكاديمية مع التطبيقات العملية في مجالات التنمية العمرانية والثقافية، فضلاً عن دوره في دعم البحث العلمي المتعلق بتاريخ الجزيرة العربية ومكة المكرمة. يترأس أيضًا لجنة جائزة التراث الوطني بوزارة الثقافة، مما يعزز جهوده في تحفيز الابتكار والتقدير في مجال التراث.
أدوار سابقة تركت بصماتها
في مسيرته المهنية السابقة، كان السماري عضو مجلس إدارة نادي الإبل، والمشرف العام على مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل في نسختيه الأولى والثانية، مما يبرز اهتمامه بالموروث الثقافي غير المادي. كما شغل منصب أمين عام مساعد للأمانة العامة للاحتفال بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، وكان عضوًا في لجنتها التحضيرية، ما يعكس دوره في توثيق اللحظات التاريخية الهامة. امتدت عضوياته لتشمل مجلس إدارة الهيئة العامة للسياحة والآثار، ومجلس إدارة الجمعية السعودية للمحافظة على التراث، ومجلس الأمناء للشركة السعودية للأبحاث والنشر، ونائبًا لرئيس مجلس نظارة مركز البحوث والدراسات بالمدينة المنورة، وهي كلها أدوار تؤكد شمولية اهتماماته وعمق تأثيره في مجالات التنمية الثقافية والبحثية.
مؤلفات السماري: ذاكرة وطنية مدونة
لم تقتصر إسهامات فهد السماري على الجانب الإداري والقيادي، بل امتدت لتشمل التأليف والكتابة، فترك خلفه مجموعة من المؤلفات التاريخية القيمة التي تشكل مرجعًا مهمًا للباحثين والقراء. تُعد هذه المؤلفات دليلًا على التزامه بتوثيق التاريخ وتقديمه بصورة منهجية وموثوقة.
سلسلة مكتبات الملوك
من أبرز أعماله سلسلة إصداراته عن مكتبات ملوك المملكة العربية السعودية، وهي مشروع توثيقي فريد يعكس اهتمامًا عميقًا بالتاريخ الفكري للمملكة. ألف السماري كتاب “مكتبة الملك عبدالعزيز آل سعود الخاصة” عام 1417هـ الموافق 1996م، ثم تلاه كتاب “مكتبة الملك سعود بن عبدالعزيز الخاصة” عام 1427هـ الموافق 2006م، وكتاب “مكتبة الملك فيصل الخاصة” عام 1429هـ الموافق 2008م، وأخيرًا “مكتبة الملك خالد الخاصة” عام 1431هـ الموافق 2010م. هذه الكتب تقدم نافذة فريدة على اهتمامات الملوك الثقافية والمعرفية، وتكشف عن جانب مهم من شخصياتهم القيادية.
إصدارات تاريخية أخرى
بالإضافة إلى سلسلة المكتبات، ألف السماري عددًا من الكتب التاريخية الأخرى التي أسهمت في إثراء المكتبة السعودية، منها كتاب “الملك عبدالعزيز وألمانيا (دراسة تاريخية للعلاقات السعودية – الألمانية)” الذي صدر عام 1420هـ الموافق 1999م، وهو عمل بحثي معمق يسلط الضوء على جانب من جوانب العلاقات الدولية للمملكة في مرحلة تأسيسها. كما قدم كتاب “أصدقاء وذكريات (انطباعات وذكريات أمريكية عن الحياة والعمل في المملكة العربية السعودية)” عام 1419هـ الموافق 1998م، وكتاب “خواطر من أجل الوطن” عام 1425هـ الموافق 2004م، وكتاب “الزيارة الملكية” عام 1419هـ الموافق 1998م، بالإضافة إلى “موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي” و”ببليوجرافيا المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز”. هذه المؤلفات تعكس تنوع اهتماماته وعمق بحثه في جوانب مختلفة من تاريخ المملكة.
وأخيرًا وليس آخرا
لقد جسدت مسيرة الأستاذ فهد عبدالله السماري نموذجًا فريدًا للتفاني في خدمة الوطن، عبر إسهاماته المتنوعة في التوثيق التاريخي، وحفظ التراث، وقيادة العديد من المؤسسات الثقافية والعلمية. من مستشار في الديوان الملكي إلى أمين عام لدارة الملك عبدالعزيز، ومن مؤلف لكتب تاريخية رائدة إلى عضو فاعل في لجان ومجالس وطنية ودولية، ترك السماري بصمة لا تمحى في المشهد السعودي. إن جهوده لم تقتصر على جمع المعلومات وتصنيفها، بل تجاوزت ذلك إلى بناء الوعي التاريخي وتعزيز الهوية الوطنية، مقدمًا رؤية تحليلية معمقة تسهم في فهم الماضي وتشكيل المستقبل. فهل يمكن لمثل هذه القامات، التي تجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة العملية، أن تستمر في لعب دورها المحوري في توجيه الأجيال القادمة نحو تقدير تاريخهم والمحافظة على موروثهم؟











