محمد بن علي السنوسي: شاعر الجنوب ورائد الشعر الحديث في السعودية
يُعد محمد بن علي السنوسي (1343هـ/1924م-1407هـ/1987م) قامةً شعريةً بارزةً في سماء الأدب السعودي الحديث. يُعرف بلقب “شاعر الجنوب”، ويُعتبر أول شاعر سعودي تُترجم بعض قصائده إلى اللغة الإيطالية. كما أنه من الشعراء العرب القلائل الذين تجرأوا على الكتابة عن تجربتهم الشعرية بشفافية واعتراف. كان السنوسي من المؤسسين لنادي جازان الأدبي وتولى رئاسته لاحقًا. تقديرًا لإسهاماته، أُنشئت جائزة السنوسي الشعرية في منطقة جازان. تغنت الفنانة هدى سلطان بإحدى قصائده الشهيرة “جازان يا درة الجنوب”.
حياة محمد السنوسي ونشأته
ولد محمد السنوسي في مدينة جازان، وترعرع تحت رعاية والده، القاضي والشاعر علي بن محمد السنوسي، الذي أشرف على تعليمه وتلقينه مبادئ العلوم والمعارف. تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب المحلية، ثم التحق بالمدارس الأهلية. لم يكتفِ بذلك، بل انكب على تثقيف نفسه ذاتيًا، مستفيدًا من مكتبة والده الزاخرة بالعلوم والآداب. في هذه البيئة المحفزة، تجلت موهبته الشعرية ونزعته الفطرية نحو الأدب.
مسيرته المهنية ومناصبه
بعد إتمام تعليمه، انخرط السنوسي في العمل الحكومي، حيث تدرج في عدة مناصب وقطاعات. شغل منصب مدير جمارك منطقة جازان، ثم رئيسًا لبلدية المنطقة، كما تولى إدارة شركة الكهرباء في جازان. إلى جانب ذلك، تعاون مع صديقه محمد بن أحمد العقيلي في تأسيس نادي جازان الأدبي، الذي ترأسه لفترة من الزمن، وكان هذا آخر منصب شغله حتى وفاته عام 1987م.
بصمات السنوسي الشعرية
استلهم السنوسي موهبة الشعر وفصاحة اللسان من والده علي السنوسي. ومع نمو قدراته اللغوية، أصبح شاعرًا متمكنًا لا يُؤخذ على لغته أي مأخذ. اتسم شعره بالبساطة والبعد عن التكلف، واعتُبر مزيجًا متوازنًا بين الأصالة والمعاصرة. كتب قصائد طويلة ملتزمة بالوزن والقافية.
مؤلفاته وإسهاماته الأدبية
ترك السنوسي رصيدًا وافرًا من المؤلفات، معظمها دواوين شعرية. بدأ نشر شعره في الستينيات الميلادية، حيث صدر ديوانه الأول “القلائد” عام 1960م، ثم “الأغاريد” عام 1966م، و”الأزاهير” عام 1972م، و”الينابيع” عام 1974م، وأخيرًا “نفحات الجنوب” عام 1980م. بالإضافة إلى الشعر، ألّف كتاب “مع الشعراء” الذي جمع فيه مقالاته ونصوصًا نثرية. تُرجمت بعض قصائده إلى اللغة الإيطالية ونُشرت في مجلة الشعراء في روما.
تكريمه وإحياء ذكراه
حظي السنوسي بتكريم واسع النطاق خلال حياته من مؤسسات سعودية وعربية. كرمته جامعة الملك عبد العزيز، ومنحته وزارة الثقافة العراقية ميدالية المتنبي، كما كرمه مؤتمر الأدباء السعوديين الأول في مكة المكرمة. خضعت تجربته الشعرية للدراسة والبحث في الأوساط الأكاديمية. بعد وفاته، جمع عبد العزيز الهويدي مقالاته ونشرها في كتاب “من أحاديث السنوسي” عام 1991م، بينما جمع محمد القسومي قصائده غير المنشورة في كتاب “المنسي من شعر محمد السنوسي”. صدرت أعماله الكاملة عن نادي جازان الأدبي عام 1983م.
وأخيراً وليس آخراً
رحل محمد بن علي السنوسي، لكن إرثه الشعري والثقافي لا يزال حيًا، شاهدًا على إسهاماته الجليلة في إثراء الأدب السعودي. فهل ستظل الأجيال القادمة تستلهم من تجربته الفريدة وتُعلي من شأن الكلمة الهادفة؟











