محطة تحلية الشقيق: ركيزة استراتيجية للأمن المائي في المملكة
تُعدّ المياه عصب الحياة ومحرك التنمية، وفي بيئة صحراوية كالمملكة العربية السعودية، يكتسب تأمين مصادر المياه أهمية قصوى وحساسية بالغة. لطالما كان تحدي ندرة المياه دافعًا رئيسيًا للابتكار والاستثمار في تقنيات تحلية المياه، التي غدت حجر الزاوية في استراتيجية المملكة لتحقيق الأمن المائي المستدام. وفي هذا السياق، تبرز محطة تحلية الشقيق كصرح هندسي عملاق وإنجاز وطني يعكس الرؤية الثاقبة للقيادة في مواجهة التحديات البيئية، لضمان استمرار تدفق شريان الحياة إلى مختلف المناطق.
تقع محطة تحلية الشقيق في مركز الشقيق التابع لمحافظة الدرب بمنطقة جازان على ساحل البحر الأحمر، وتُشكل إحدى أهم المحطات التابعة للهيئة السعودية للمياه، لتوفير المياه المحلاة للملايين من السكان. لم تكن هذه المحطة مجرد منشأة صناعية، بل تجسيدًا لإرادة وطنية صلبة في تجاوز العقبات الجغرافية والمناخية، وبناء مستقبل مزدهر يعتمد على استغلال أمثل للموارد الطبيعية المتاحة.
مسيرة تطور محطة تحلية الشقيق: من التبخير إلى التناضح العكسي
المرحلة الأولى: انطلاقة تاريخية بتقنية التبخير الوميضي
بدأت مسيرة محطة تحلية الشقيق بمرحلتها الأولى عام 1989م، لتلبية احتياجات منطقتي جازان وعسير المتنامية. اعتمدت هذه المرحلة على تقنية التبخير الوميضي المتعدد المراحل (MSF)، التي كانت تمثل قمة التطور في تحلية المياه حينذاك. حققت المحطة في تلك الفترة طاقة إنتاجية بلغت نحو 97,014 مترًا مكعبًا من المياه المحلاة يوميًا، مسهمة بفاعلية في دعم البنية التحتية المائية للمنطقتين وتوفير احتياجاتهما الأساسية.
المرحلة الثانية: قفزة نوعية بتقنية التناضح العكسي
شهد عام 2020م تدشين المرحلة الثانية من محطة تحلية الشقيق، والتي مثلت قفزة نوعية في تقنيات تحلية المياه. جاءت هذه التوسعة استجابةً للطلب المتزايد على المياه المحلاة في منطقتي عسير وجازان، حيث اعتمدت على تقنية التناضح العكسي (RO) الأكثر كفاءة واقتصادًا. بلغت الطاقة الإنتاجية للمياه في هذه المرحلة 42,500 متر مكعب يوميًا، وقد تم تنفيذ أعمال التوسعة خلال ستة أشهر فقط، بدءًا من ديسمبر 2019م، مما يعكس سرعة الإنجاز والحرص على تلبية الاحتياجات المائية الملحة.
الابتكار التقني في محطة تحلية الشقيق: كفاءة وجودة لا تضاهى
في سعيها الدائم للتميز وتحقيق أعلى مستويات الكفاءة، استبدلت الهيئة السعودية للمياه في محطة تحلية الشقيق نظام الفلترة البحري بنظام فلترة ذاتي، مما عزز من دقة التحكم في المضخات وقلل من استهلاك الطاقة بشكل ملحوظ. تعتمد المحطة على تقنيات حديثة مثل المحركات متغيرة السرعة في كافة محركات المشروع، بالإضافة إلى أجهزة قياس عالية الجودة لتحليل المياه، مثل مؤشر قياس كثافة الطمي (SDI)، المرتبط بنظام التحكم التوزيعي المتطور.
هذه الابتكارات لم تكن مجرد تحسينات عابرة، بل أسهمت في تحقيق إنجازات غير مسبوقة. فمن خلال مشروع محطة تحلية الشقيق، سجلت الهيئة رقمًا قياسيًا جديدًا في استهلاك الكهرباء، بلغ 3 كيلو واط فقط لكل متر مكعب من المياه المحلاة. يُعد هذا الرقم إنجازًا استثنائيًا ومؤشرًا على الكفاءة التشغيلية الفائقة للمحطات التي تعمل بتقنية التناضح العكسي، ويضع محطة الشقيق في مصاف المحطات الرائدة عالميًا.
الأمن المائي لمنطقتي جازان وعسير: رؤية مستقبلية
بلغ الإنتاج السنوي للمياه المحلاة من منظومة إنتاج الشقيق في عام 2020م نحو 37,877,319 مترًا مكعبًا، بنسبة سعة متاحة لإنتاج المياه بلغت 98.6%. لم يقتصر دور محطة تحلية الشقيق على الإنتاج فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز شبكة نقل المياه، وهو ما يظهر جليًا في مشروع أنظمة نقل مياه الشقيق المرحلة الثالثة.
يهدف هذا المشروع إلى توفير إمدادات مستدامة من المياه المحلاة لمنطقتي جازان وعسير، وتعزيز أمنهما المائي. تم رفع سعة نقل المياه إلى منطقة عسير لتصل إلى 500 ألف متر مكعب يوميًا، وإلى منطقة جازان بمقدار 270 ألف متر مكعب يوميًا. ولأول مرة، سيتم إمداد 9 محافظات ومراكز في شمال تهامة بمنطقة عسير بـالمياه المحلاة، مما يعكس الشمولية والتوسع في خدمات المياه.
تمتد أطوال الأنابيب في مشروع الشقيق لنحو 486 كيلومترًا، لتصل من الشقيق إلى خزانات أبها، التي تقع على ارتفاع 2200 متر من سطح البحر. تضم أبها ثلاثة خزانات بسعة إجمالية تصل إلى 212 ألف متر مكعب، وتبلغ المسافة الطولية بين الشقيق وأبها نحو 129 كيلومترًا، لضمان إمداد المناطق بنحو 275 ألف متر مكعب من المياه المحلاة.
المحطة العائمة الأولى لتحلية المياه: حلول مبتكرة لتعزيز الأمن المائي
في 23 يناير 2022م، دُشنت المحطة العائمة الأولى لتحلية المياه قرب ميناء الشقيق على الساحل الغربي للمملكة. هذه المحطة، بقدرة إنتاجية تبلغ 50 ألف متر مكعب من المياه يوميًا، تمثل جزءًا من حزمة مشاريع مائية متكاملة ضمن منظومة وزارة البيئة والمياه والزراعة، الهادفة إلى ضمان أمن الإمداد وتعزيز الأمن المائي في كافة مناطق المملكة.
جاء تدشين هذه المحطة العائمة ضمن خطة طموحة لتطوير محطات عائمة لتحلية المياه، تحت إشراف فريق فني وطني بالكامل من الهيئة السعودية للمياه. تتميز هذه المحطات بمرونتها، حيث يمكن نقل البوارج بحسب احتياجات المناطق المختلفة على مستوى المملكة، مما يضمن استمرارية وفرة المياه المحلاة بمستويات عالية، واعتمادًا على أفضل المعايير والأنظمة المحلية والعالمية.
يدعم مشروع بناء محطات عائمة لتحلية المياه، بالتعاون بين الهيئة السعودية للمياه والقطاع الخاص، أمن الحياة البحرية ويحافظ عليها. كما يعزز الابتكار وتوطين أحدث التقنيات وتمكين المحتوى المحلي، ويوفر فرص عمل للشباب، ويحفز قدرات القطاع الصناعي في المملكة، ويزيد مساهمته في القيمة المضافة الإجمالية. تمثل المحطات المتنقلة الثلاث (بارجات)، التي يبلغ حجم إنتاجها الكلي 150 ألف متر مكعب من المياه المحلاة يوميًا، إضافة مهمة لجهود تأمين إمدادات المياه. وتُسهم التقنيات عالية الكفاءة المعتمدة في هذا المشروع، والزيادة في السعة الإنتاجية، في دفع عجلة النمو في الاقتصاد الوطني.
تعتمد هذه المحطات العائمة على تقنيات متقدمة ورائدة لتصفية ومعالجة مياه البحر، وهي ذاتية توليد الكهرباء، وذاتية التنظيف، وذات كفاءة عالية. تشمل عملية المعالجة مرحلة ما قبل المعالجة، تليها مرحلة التناضح العكسي وإعادة التمعدن، ومن ثم ضخ المياه المحلاة من المحطة إلى خزانات المياه باستخدام تقنيات حديثة عبر أنابيب مرنة.
و أخيرا وليس آخرا
إن محطة تحلية الشقيق بكل مراحلها ومشاريعها التوسعية، بما في ذلك المحطات العائمة المبتكرة، ليست مجرد بنية تحتية لإنتاج المياه. إنها تجسد رؤية وطنية بعيدة المدى لتأمين مستقبل الأجيال، وتعزيز التنمية المستدامة، وتقديم نموذج عالمي في إدارة الموارد المائية في ظل التحديات البيئية. فهل ستظل هذه الإنجازات نقطة انطلاق لمزيد من الابتكارات التي تضع المملكة في طليعة الدول الرائدة عالمياً في تحقيق الأمن المائي الشامل؟







