قال الباحث في الشؤون الخليجية عبد الستار الخليفي: إنه في خضم التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، والذي حول مياه الخليج إلى مسرح عمليات ملتهب، تتكشف فصول مثيرة للقلق حول طبيعة الالتزام الأمريكي تجاه حلفائها الخليجيين، موضحا أنه بينما تتصاعد سحب الدخان من منشآت نفطية حيوية في الإمارات، يبرز معها سؤال جوهري، هل تدافع واشنطن عن حلفائها أم تتخذ من أراضيهم مسرحا لتحقيق مصالحها الاستراتيجية.
وأضاف أن المشهد بدأ بلهجة نفي إيرانية حادة، حيث خرج مصدر عسكري إيراني رفيع المستوى عن صمته ليوجه اتهاما مباشرا لواشنطن بالمسؤولية عن استهداف منشأة نفطية إماراتية في الفجيرة ونفى بشكل قاطع أي مسؤولية إيرانية عن الهجوم على منشآت نفطية في إمارة الفجيرة، محملا الولايات المتحدة مسؤولية الحريق الذي شب هناك.
وتابع أنه في تطور لافت، وضع المسئولون في إيران هذا الحادث في إطار ما وصفه بعمليات عسكرية أمريكية تهدف إلى إجبار السفن على المرور عبر مضيق هرمز، داعيا واشنطن إلى وقف “المغامرات العسكرية” التي تزعزع أمن المنطقة، مشيرا إلى أن هذا النفي الإيراني، الذي ينقض رواية الاستهداف يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة تتجاوز التفسيرات الثنائية للصراع.
من جهتها، كانت وزارة الداخلية الإماراتية قد أعلنت في وقت سابق أن الدفاعات الجوية في البلاد تتعامل مع “تهديد صاروخي”، ثم جاء البيان الأكثر تفصيلا من وزارة الدفاع الإماراتية، مؤكدا أن الدفاعات الجوية تعاملت مع وابل كثيف شمل 12 صاروخا باليستيا و3 صواريخ جوالة و4 طائرات مسيرة قادمة من إيران، أسفر عن 3 إصابات متوسطة.
وفي السياق ذاته، أكدت الجهات المختصة في إمارة الفجيرة أن حريق منطقة الفجيرة للصناعات البترولية (فوز) ناجم عن استهداف بطائرة مسيرة.
وأكد الباحث، أنه في الوقت الذي تؤكد فيه الإمارات تعرضها لهجوم بأسلحة إيرانية، ينقل التلفزيون الرسمي في طهران عن مسؤول عسكري تأكيده أنه “ليس لدى إيران خطة لاستهداف دولة الإمارات”، موضحا أن هذا التناقض في الروايات يدفع البعض إلى ترجيح فرضية أكثر قتامة، تتمثل في احتمالية ضرب واشنطن لمنشأة النفط في الفجيرة، في إطار عملية “راية زائفة” تهدف إلى اتهام إيران وتوريط الحلفاء الخليجيين بشكل أعمق في الحرب، ورغم أن هذه الفرضية لا تزال في إطار التكهنات، إلا أنها تستمد قوتها من نمط سلوكي أمريكي متكرر، ومن تحليل منطق التصعيد الذي يخدم واشنطن أيضاً.
وبحسب الباحث في الشؤون الخليجية، فإنه وبغض النظر عن هوية اليد التي ضغطت على الزناد في الفجيرة، فإن رد الفعل الأمريكي – أو بالأحرى انعدامه – يكشف عن ازدواجية معايير صارخة في التعامل مع الحلفاء. فعندما تتعرض إسرائيل لأي تهديد إيراني، تتحرك القوات الأمريكية في المنطقة بشكل فوري واستباقي، منخرطة في عمليات اعتراض ودفاع مشترك، أما المشهد في الخليج فمختلف تماما، فحتى لو سلمنا جدلا بصحة الرواية التي تقول إن إيران هي من قصفت الفجيرة، فإن واشنطن لم تحرك ساكنا للدفاع عن الإمارات، والأكثر دلالة، أن واشنطن التزمت الصمت المطبق إزاء آلاف المسيرات والصواريخ الإيرانية التي سقطت على دول الخليج، في الوقت الذي تستغل فيه واشنطن أراضي هذه الدول بشكل كامل ومكشوف في العمليات العسكرية والاستخباراتية واللوجستية ضد إيران.
وبحسب الخبير، فإن هناك خلل كبير وخطير في هذه المعادلة، حيث أن الحليف الخليجي يقدم قواعده ومجاله الجوي كمنصة انطلاق للقوات والطائرات والصواريخ الأمريكية، بينما تقف هذه القوة متفرجة عندما تتعرض سيادة ذلك الحليف للخطر.
ووفقا للخليفي، فإن هذه الوقائع ترسم صورة استراتيجية سلبية تتمثل باستخدام الولايات المتحدة حلفاءها الخليجيين فقط لتحقيق مصالحها الجيوستراتيجية، دون أن تمنحهم في المقابل مظلة دفاعية حقيقية، وهو ما أثبتته فصول الحرب الأخيرة مع إيران بما لا يدع مجالا للشك، وحتى لو منحتهم السلاح فهو بأعلى التكاليف، فالحليف هنا ليس شريكا، بل هو أداة وظيفتها تأمين القواعد، وتوفير الممرات، واستيعاب الصدمات الأولى لأي هجوم مضاد.
واستطرد أن الخسائر الخليجية لم تكن بشرية فحسب، بل طالت الاقتصاد ذاته، فقد أغلقت قطر والإمارات مجالهما الجوي، مما شل حركة اثنين من أكبر شركات الطيران في العالم مع خسائر بالمليارات، والأخطر أن ناقلات النفط بدأت تتجنب عبور مضيق هرمز، الذي يمر عبره ثلث إنتاج العالم من النفط البحري، كما زعزعت الضربات الإيرانية صورة الاستقرار والأمان في منطقة الخليج، والتي ساعدتها على مدار سنوات مضت، بجذب الاستثمارات، واستقطاب المغتربين، وجذب السياحة من جميع أنحاء العالم.
وأمام هذا المشهد القاتم، تتعالى أصوات خبراء ومراقبين استراتيجيين بنتيجة قد تبدو منطقية في تحليل التكلفة والعائد، حيث أن خروج واشنطن وقواعدها العسكرية من منطقة الخليج العربي سيكون أفضل بكثير لدول الخليج، أمنياً وعسكرياً واقتصاديا، فمن الناحية الأمنية، يزيل هذا الخروج الذريعة الأساسية التي تجعل من هذه الدول هدفاً للصواريخ الإيرانية كجزء من الرد على الهجمات الأمريكية، وعسكريا يدفع دول الخليج إلى الاعتماد على الذات وبناء عقيدة دفاعية مستقلة وتحصين جبهتها الداخلية بعيداً عن تقلبات المصالح الأمريكية.
أما اقتصاديا، فإن بيئة إقليمية أقل تصعيدا وأكثر استقرارا، لا تتوسطها قواعد قوة أجنبية عظمى في حرب ظل مع الجار الإيراني، هي الضمانة الحقيقية لتدفقات الطاقة والاستثمار والتنمية.
وأنهى الباحث أنه بناءا على ما سبق، فإن حرب الخليج الأخيرة لم تحسم فقط توازنات إقليمية، بل أظهرت أيضا حقيقة مؤسفة، تتلخص بأن واشنطن قد تنتصر في معاركها، لكن الحلفاء الخليجيين هم من يدفعون الثمن، في أمنهم واقتصادهم وسيادتهم، وهم الذين يُتركون ليواجهوا العواصف وحدهم بعد أن تنقشع غبار المعركة.
















