موسم الدرعية 2024: رحلة في قلب التاريخ والثقافة السعودية
في قلب محافظة الدرعية، انطلقت فعاليات موسم الدرعية 2024، وهو حدث ترفيهي يجمع بين عبق التاريخ وروعة الفن والثقافة. بدأت فعالياته في 18 جمادى الآخرة 1446هـ الموافق 19 ديسمبر 2024م، واستمرت حتى 13 شوال 1446هـ الموافق 11 أبريل 2025م. هذا الموسم، الذي نظمته شركة الدرعية تحت شعار “أرض ترويك”، أقيم في مناطق مختلفة من الدرعية، بما في ذلك حي الطريف التاريخي ومطل البجيري.
فعاليات موسم الدرعية 2024: مزيج من الماضي والحاضر
معرض مجد مباري: استلهام من تاريخ الدولة السعودية الثانية
في افتتاحية موسم الدرعية 2024، استقبل الزوار معرض “مجد مباري”، الذي يحتفي بالذكرى المئوية الثانية لتأسيس الدولة السعودية الثانية. يهدف المعرض إلى تعريف الزوار بالإمام تركي بن عبدالله، مسلطًا الضوء على الأحداث التاريخية والسياسية والاجتماعية التي رافقت حياته منذ ولادته في عام 1183هـ/1769م، مرورًا بخروجه من الدرعية عام 1233هـ/1818م، وصولًا إلى دخوله الرياض عام 1240هـ/1824م، معلنًا قيام الدولة السعودية الثانية.
استخدم المعرض تقنيات بصرية وصوتية متقدمة لسرد القصص التاريخية بتسلسل زمني جذاب، مع إبراز التفاصيل الجمالية. تضمن المعرض أقسامًا متنوعة مثل “أنا ردّاد أرضي”، و”ميلاد ونشأة الإمام تركي”، و”السيف الأجرب”، و”في غار تركي”، و”ملحمة المجد”، و”تركي البطل”، و”إرث الإمام تركي بن عبدالله”.
ليالي الدرعية: تجربة تجمع بين الأصالة والترف
قدمت ليالي الدرعية تجارب غنية تمزج بين تراث الدرعية والضيافة الفاخرة. الممرات المتخللة بأشجار النخيل عكست هوية وثقافة الدرعية الأصيلة. بالإضافة إلى ذلك، استمتع الزوار بتناول المأكولات العالمية والمحلية في 9 مطاعم متنوعة، وارتشاف القهوة في 6 مقاهٍ مختلفة. المساحات الفنية والثقافية، مثل معبر السيف والمراجيح، أضفت جوًا من البهجة والتفاعل. كما أتاحت ليالي الدرعية فرصة اقتناء تحف أثرية ومعروضات فاخرة، بالإضافة إلى عربات الطعام والمشروبات التي قدمت مشروبات شتوية تقليدية.
فعاليات فن السامري: إحياء للتراث الغنائي
مع انطلاق موسم الدرعية، بدأت فعاليات فن السامري، التي أضفت أجواء حيوية على المناطق المختلفة. تجولت فرقة فنية في أرجاء الدرعية لتقديم عروض موسيقية ولوحات تقليدية جذابة، مما سمح للزوار بالمشاركة في تجربة تفاعلية تعبر عن روح الدرعية.
منزال: استكشاف جمال الطبيعة وتراث الدرعية
برنامج منزال ضمن موسم الدرعية أبرز جمال طبيعة الدرعية من خلال تجارب متنوعة، مثل تأمل النجوم والتخييم الفاخر في الطبيعة الجبلية، والعروض الموسيقية التقليدية، والأسواق المحلية، والفنون الأدائية.
كما شمل “منزال” تجربة “خيّال” لركوب الخيل وزيارة الاصطبلات، بالإضافة إلى منطقة “برواز” التي قدمت تجارب مستوحاة من تراث وتاريخ الدرعية، بما في ذلك متاجر وورش عمل للحرف اليدوية التقليدية، ومطاعم ومقاهي، وأنشطة ثقافية. منطقة “المشب” وفرت للزوار أجواء شتوية دافئة للتواصل والاستمتاع.
تجربة 850هـ التفاعلية: الغوص في تاريخ الدرعية
أتاحت تجربة 850هـ التفاعلية فرصة استكشاف تاريخ الدرعية وقصصها بأسلوب تفاعلي وممتع يعتمد على الألغاز. البرنامج مزج بين التعلّم والترفيه، وشمل جلسات لتناول المأكولات والمشروبات، وألعابًا حركية، وهدايا تذكارية ترمز إلى تراث الدرعية.
تضمنت التجربة استكشاف تاريخ ومحطات حياة الإمام تركي عبر ثلاث مناطق متسلسلة، بالإضافة إلى التعرف على تاريخ الإمام سعود الكبير والقاعدة العسكرية التي أنشأها باسم “المنقية”، من خلال تحديات وأنشطة حركية. اسم البرنامج مستوحى من تاريخ تأسيس الدرعية على يد الأمير مانع المريدي عام 850هـ.
مهرجان الدرعية للرواية: احتفاء بالأدب والإبداع
في 30 يناير 2025م، انطلق مهرجان الدرعية للرواية، الذي شكل منصة تفاعلية للروائيين ومحبي الأدب. شارك فيه أكثر من 50 دار نشر ومكتبة متخصصة، وأكثر من 150 متحدثًا وخبيرًا في مجال الرواية. قدم المهرجان فعالياته في مطل البجيري وفندق باب سمحان، بالإضافة إلى الظويهرة، التي كانت مركزًا لتبادل الثقافات. تضمن المهرجان جلسات حوارية وأمسيات روائية، وتجارب شخصية للكُتّاب والروائيين، وورش عمل متخصصة في الكتابة السردية والقصصية، وصناعة أغلفة الروايات، وتحويل الروايات إلى أعمال سينمائية أو رسوم متحركة.
المهرجان احتضن معرضًا للروايات، وجناحًا لإصدار الروايات وتوقيعها، ومسرحًا للفنون الأدائية، وتجارب الطهي الحي المستوحاة من الأفلام والروايات العالمية، ومنطقة “الراوي الصغير” المخصصة للأطفال، بالإضافة إلى ورش عمل لتنمية مهارات الأطفال في صناعة وتحريك الدمى، وكتابة الرواية، وبناء ورسم القصص. فندق باب سمحان استضاف ورش عمل في تحريك شخصيات الإنيميشن، وعرضًا تفاعليًا لتشجيع الأطفال على المشاركة، وركن “حكاية ورسمة” الذي يمزج بين الرسم والسرد، وقرية الحكايات التي تقدم حكايات شهيرة بأسلوب مشوق.
مهرجان طين: تكريم للعمارة الطينية
احتفى مهرجان طين بالثقافة المعمارية الفريدة للدرعية تحت شعار “شواهد الطين بين الماضي والمستقبل”. صنع المهرجان ملتقى للمبدعين والمعماريين والمهتمين، وسلط الضوء على إرث العمارة الطينية من خلال ورش عمل وتجارب حية لاستكشاف تقنيات البناء بالطين وأهميته كرمز في الهوية المعمارية للمنطقة.
تضمنت فعاليات المهرجان جولات معمارية في حي الطريف لاستكشاف تراث وتصميم أحد مواقع التراث العالمي في الدرعية، وزيارة قصر الأمير سعد بن سعود الذي قدم عروضًا فنية تعرّف الزوار على علاقة الطين بالحياة والمشاهد المعاصرة له، واستكشاف المواد الخام في مكتبة المواد. القصر استعرض البناء الداخلي والتكوينات الهندسية وفنون التصاميم النجدية العريقة، بالإضافة إلى تجارب مميزة مثل “صوت لبنة” و”الحياة والطين”، و”رؤى المستقبل” التي عرضت أعمال شباب استوحوا أعمالهم من العمارة التقليدية والبناء بالطين.
حي الطريف التاريخي: جوهرة التراث العالمي
حي الطريف هو أحد أكبر الأحياء الطينية في العالم، ومدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو. يضم الحي معالم تاريخية بارزة مثل قصر سلوى، الذي كان مقر حكم الدولة السعودية الأولى.
شمل البرنامج تجارب ثقافية ثرية مثل “ذاكرة الدرعية”، الذي عرف الزوار بتاريخ الدرعية من خلال عرض مسرحي تفاعلي يحكي القصص البطولية لأئمة الدرعية، وتجربة “حفاوة” التي تعبر عن كرم وضيافة أهل الدرعية، وتجربة “الخيل العربي” لتعريف الزوار بسلالات الخيل عبر تاريخ المملكة، و”مجلس الطريف” الذي يكشف مفهوم المجلس في الثقافة السعودية، وهو برنامج ثقافي متكامل تضمن جلسات حوارية في تجربة “مسيان طريف”، وأمسيات شعرية في تجربة “الديوان”، وتجربة “سمرة الروائية”، بالإضافة إلى مكتبة الطريف للقراء. تضمن حي الطريف ورش عمل غنية ومتنوعة، مثل ورشة “من الطبيعة إلى الورق”، وورشة “أنشدك عن”، وليلة السامري، والألعاب التقليدية، وقصائد حية، والعرضة، وتجربة “أهل الحي” بمشاركة من أهل حي الطريف.
مطل البجيري: مزيج من النكهات العالمية والضيافة المحلية
قدم مطل البجيري مفهومًا جديدًا يمزج إبداعات المأكولات العالمية مع فخامة الضيافة المحلية، حيث يضم أكثر من 17 مطعمًا ومقهى فاخرًا. كما استضاف معارض متنوعة مثل “معرض ذاكرة المطايا” المختص بالإبل، و”معرض ارتقينا بوتيك” للقطع التاريخية المميزة.
تزينت ساحات البجيري بفعاليات متنوعة، مثل العروض الموسيقية المتخصصة، وطلاء الأواني والأبواب النجدية، ونقش الحناء، ونسج السدو.
خيال السوق: رحلة في عالم الخيال والترفيه
مزجت تجربة خيال السوق بين سرد القصص الخيالية والتقنيات الحديثة بأسلوب مبتكر، مما سمح للزوار بعيش لحظات مميزة ضمن فنون استعراضية في مساحات ترفيهية نابضة بالألوان والموسيقى. قدمت التجربة عروضًا إبداعية بالتعاون مع شركة دراجون العالمية، مثل السير على الحبال العالية، وألعاب الخفة، وعروض الترامبولين. تنوعت تجارب البرنامج بين مأكولات محلية وعالمية، وضيافة مميزة، وخيارات التسوق التي تمثل الثراء الثقافي للدرعية.
و أخيرا وليس آخرا
موسم الدرعية 2024، بكل ما قدمه من فعاليات متنوعة وغنية، لم يكن مجرد حدث ترفيهي عابر، بل كان تجسيدًا حيًا لتراث المملكة العربية السعودية وهويتها الثقافية. من خلال استعراض تاريخ الدولة السعودية الثانية في معرض “مجد مباري”، وإحياء فن السامري، والاحتفاء بالعمارة الطينية في مهرجان طين، نجح الموسم في ربط الماضي بالحاضر والمستقبل. ليالي الدرعية، بتصاميمها المستوحاة من التراث، قدمت تجربة ضيافة فريدة، في حين أتاحت تجربة 850هـ التفاعلية للزوار فرصة الغوص في تاريخ الدرعية بأسلوب ممتع. مهرجان الدرعية للرواية، بدوره، عزز المشهد الأدبي والثقافي في المملكة، وفتح آفاقًا جديدة للإبداع والتعبير.
هل يمكن لمثل هذه الفعاليات أن تلهم الأجيال القادمة للحفاظ على تراثهم الثقافي وتعزيزه؟ وهل ستستمر الدرعية في لعب دور محوري في المشهد الثقافي والسياحي للمملكة؟










