ميناء الخبر: نافذة السعودية الأولى على العالم في تصدير النفط
ميناء الخبر، الواقع في قلب المنطقة الشرقية بمدينة الخبر، يمثل علامة فارقة في تاريخ صناعة النفط في المملكة العربية السعودية. تأسس هذا الرصيف البحري في منتصف الأربعينات الميلادية من القرن العشرين على يد شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال)، والتي أصبحت فيما بعد أرامكو السعودية. شهد الميناء تصدير أول شحنة نفط من المملكة في مطلع شهر رجب عام 1357هـ الموافق للأسبوع الأول من شهر سبتمبر عام 1938م، مسجلاً بداية حقبة جديدة من الازدهار الاقتصادي.
قصة تأسيس ميناء الخبر
في الرابع من جمادى الآخرة عام 1352هـ الموافق 23 سبتمبر 1933م، وصلت فرق شركة سوكال إلى الجبيل، قادمة من البحرين، بعد توقيع اتفاقية امتياز للتنقيب عن النفط مع الحكومة السعودية. كانت الجبيل آنذاك قرية ساحلية صغيرة تبعد حوالي 105 كيلومترات شمال مدينة الدمام. واجه العمال صعوبات في الوصول إلى الشاطئ بسبب عدم وجود رصيف مجهز لرسو السفن، مما اضطرهم إلى الخوض في مياه البحر لنقل المعدات.
دوافع إنشاء الميناء
تزايدت أنشطة شركة سوكال وتوسعها، مما استدعى الحاجة إلى إنشاء رصيف بحري صخري في المياه العميقة. يهدف هذا الرصيف إلى تسهيل رسو القوارب الصغيرة والبوارج، وبالتالي تسريع جلب المواد الثقيلة وتسهيل تنقل موظفي الشركة من وإلى البحرين. تم اختيار موقع الرصيف بالقرب من مدينة الظهران، مركز عمليات الشركة، بعد دراسة دقيقة للصور الجوية للشعاب المرجانية والقنوات البحرية. في ذلك الوقت، كانت الخبر مجرد قرية صغيرة يسكنها صيادو الأسماك.
مراحل بناء الميناء
في عام 1354هـ الموافق 1934م، تولى مهندس الحفر بيل إلتيست، الذي كان يعمل في شركة سوكال، قيادة عمليات إنشاء ميناء الخبر. كلف إلتيست مهندس البترول فلويد أوليجر بالإشراف المباشر على بناء الرصيف، حيث استخدم أوليجر صخورًا جيرية تسمى “فروش” تستخرج من قاع البحر. استعانت الشركة بما يتراوح بين 400 و 500 عامل سعودي لجمع الصخور أثناء انخفاض المد ونقلها في قوارب شراعية إلى الشاطئ، ومن ثم إلى موقع البناء. رُصت الصخور في جدارين متوازيين في المياه، وتم بناء طريق للسيارات يربط بين الخبر والظهران. اكتمل بناء الرصيف في عام 1355هـ الموافق 1935م.
تصدير أول شحنة نفط من ميناء الخبر
بعد اكتشاف النفط بكميات كبيرة في بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير) في ذي الحجة 1356هـ الموافق مارس 1938م، أنشأت شركة سوكال أنبوبًا لنقل النفط من الظهران إلى الخبر. كما قامت ببناء محطة لتخزين وشحن النفط في ميناء الخبر، بهدف تصدير شحنات النفط إلى البحرين ابتداءً من رجب 1357هـ الموافق سبتمبر 1938م. وثقت جريدة أم القرى هذا الحدث التاريخي في عددها الصادر في 15 رجب 1357هـ الموافق 9 سبتمبر عام 1938م، تحت عنوان “تصدير الزيت من المملكة العربية السعودية، أول تصدير للشركة التي تتولى البحث عن الزيت في الحسا”.
التحول إلى رأس تنورة: بداية حقبة جديدة في تصدير النفط
على الرغم من أن ميناء الخبر شهد تصدير أول شحنة نفط سعودية، إلا أن أول شحنة نفط سعودية رسمية صدرت من ميناء رأس تنورة في العام التالي، وتحديدًا في 11 ربيع الأول 1358هـ الموافق 1 مايو 1939م. جرى ذلك بحضور الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، حيث أُنشئ خط أنابيب بطول 69 كيلومترًا يمتد من حقل الدمام إلى ميناء رأس تنورة. رست ناقلة النفط “دي. جي. سكوفيلد”، وقام الملك عبدالعزيز بتشغيل الصمام بيده، إيذانًا بتعبئتها بأول شحنة نفط سعودية تصدر إلى الخارج.
أفول نجم ميناء الخبر
بعد إنشاء ميناء رأس تنورة في عام 1358هـ الموافق 1939م، وتأسيس ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام عام 1381هـ الموافق 1961م، انتهى الدور المحوري لميناء الخبر في تصدير النفط. استمر الميناء في خدمة نقل الركاب بين المنطقة الشرقية والبحرين، لكن افتتاح جسر الملك فهد بين السعودية والبحرين عام 1407هـ الموافق 1987م أدى إلى توقف العمل في الميناء بشكل كامل. هُجر الميناء ودُفن معظم أجزائه، إلا أن امتداده في البحر لا يزال ظاهرًا كشاهد على حقبة مهمة في تاريخ المملكة العربية السعودية.
وأخيرا وليس آخرا
ميناء الخبر، الذي شهد بداية تصدير النفط السعودي، يمثل رمزًا لبداية حقبة اقتصادية جديدة في المملكة. على الرغم من توقفه عن العمل، إلا أن بصمته لا تزال حاضرة كذكرى لتلك الفترة. فهل يمكن أن يشهد الميناء إحياءً في المستقبل، أم سيبقى مجرد ذكرى في سجلات التاريخ؟











