مدن التعلّم في السعودية: رؤية نحو مستقبل تعليمي مستدام
في سياق التطورات التعليمية المتسارعة، تبرز مدن التعلّم في السعودية كنموذج رائد يعكس التزام المملكة بتحقيق معايير عالمية في التعليم والتنمية المستدامة. هذه المدن، التي تحتضنها الشبكة العالمية لمدن التعلم، تمثل رؤية طموحة نحو مجتمع متعلم ومثقف. في عام 1445هـ/2024م، بلغ عدد هذه المدن خمسًا، مع اعتراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو بها كمدن تعلم دولية. وتجدر الإشارة إلى أن مدينة الجبيل الصناعية قد حصدت جائزة اليونسكو العالمية كأفضل مدينة تعلّم في العالم عام 1443هـ/2021م، مما يعكس الجهود المتميزة في هذا المجال.
مفهوم مدن التعلُّم وفقًا لليونسكو
تُعرّف اليونسكو مدينة التعلُّم بأنها المدينة التي تستثمر مواردها بكفاءة في كافة القطاعات لتشجيع التعليم الشامل وتسهيل عملية التعلُّم. يشمل ذلك استخدام التقنيات الحديثة، وتعزيز الجودة والتميز في التعليم، وترسيخ ثقافة التعلُّم مدى الحياة. هذا النهج يهدف إلى إحياء الرغبة في التعلُّم وتمكين جميع أفراد المجتمع من الوصول إلى فرص تعليمية متنوعة ومستدامة.
نشأة وتطور مفهوم مدن التعلّم
تبلور نهج اليونسكو لمدن التعلُّم خلال المؤتمر الدولي الأول في بكين عام 2013م، حيث تم تعريف المفهوم وتطويره لاحقًا لتحديد الملامح الرئيسية لهذه المدن. وفي عام 2015م، حدد بيان مدينة مكسيكو ثمانية اتجاهات استراتيجية لمدن التعلُّم المستدامة، مما ساهم في توجيه الجهود نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال التعليم.
خصائص مدن التعلّم المتميزة
تتميز مدن التعلّم بتعزيزها للتعلّم الشامل للجميع، بدءًا من التعليم الأساسي وصولًا إلى التعليم العالي، مع تنشيط التعلّم على مستوى الأسر والمجتمعات المحلية. كما تسهل التعلّم من أجل العمل وتوسيع نطاق استخدام أدوات التعليم الحديثة لتعزيز ثقافة التعلّم مدى الحياة. هذه المدن تشجع أيضًا على التعليم من أجل التنمية المستدامة، كوسيلة للتوعية بالتحديات البيئية والصحية، وأهمية حماية البيئة.
دور مدن التعلّم في التنمية المستدامة
تسهم مدن التعلّم في تعزيز الجودة والتميّز في التعلّم، إضافة إلى حشد الموارد بشكل فعّال في جميع القطاعات لتعزيز التعلّم الشامل للجميع. تعمل هذه المدن على حشد مواردها لتعزيز قدرات الأفراد، والتماسك الاجتماعي، والنمو الاقتصادي والثقافي، وصولًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتوسيع نطاق استخدام تقنيات التعلّم الحديثة.
اعتماد أول مدينة تعلُّم سعودية
في عام 1442هـ/2020م، اعتمدت اليونسكو مدينة الجبيل الصناعية كأول مدينة تعلُّم سعودية، تلتها ينبع الصناعية في عام 1444هـ/2022م. تكاملت جهود وزارة التعليم مع المؤسسات المحلية والعالمية لتحويل الجبيل الصناعية إلى مدينة تعلم تسعى إلى تعزيز التعليم الشامل ونشر ثقافة التعلّم مدى الحياة.
توسيع نطاق مدن التعلّم في المملكة
في فبراير 2024م، اعتمدت اليونسكو ثلاث مدن سعودية جديدة للانضمام إلى شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم، وهي: المدينة المنورة، ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية بجدة، ومحافظة الأحساء. هذا التوسع يعكس جهود اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، ويسهم في إعداد وتأهيل مواطن منافس عالميًّا، وفق مستهدفات التنمية المستدامة ورؤية السعودية 2030.
جهود السعودية لزيادة مدن التعلم
تولي السعودية اهتمامًا بالغًا بجودة التعليم وإتاحة الفرص التعليمية لأفراد المجتمع مدى الحياة، وتوفير سياسات تعزز التنمية الفكرية المستدامة. يُعد مشروع مدن التعلّم أحد المشروعات التي تقوم عليها وزارة التعليم، بالشراكة مع الهيئة الملكية في ينبع وبالتنسيق مع اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم؛ لتعزيز ثقافة التعلّم الشامل مدى الحياة داخل المجتمع، وتزويد الأفراد بالمهارات اللازمة لدعم التنمية الوطنية.
تطبيق معايير اليونسكو في مدن التعلّم السعودية
تعمل وزارة التعليم بالشراكة مع الهيئة الملكية في ينبع على تطبيق معايير اليونسكو لمدن التعلّم، وعلى رأسها إتاحة التعلّم لجميع المواطنين مدى الحياة، وتوفير ما يلزم من المعلومات والإرشاد والدعم للجميع، وإنشاء أماكن للتعلّم في إطار الأسر والمجتمعات المحلية وترويجها والحفاظ عليها. كما تسعى اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم إلى زيادة عدد مدن التعلم ضمن شبكة اليونسكو العالمية.
الجبيل الصناعية: نموذج عالمي في التعلّم
في 27 أكتوبر 2021م، حصدت مدينة الجبيل الصناعية جائزة اليونسكو العالمية لأفضل مدينة تعلّم بالعالم، تقديرًا لجهودها المتميزة في تعزيز فرص التعليم والتعلّم مدى الحياة للجميع. تُمنح هذه الجائزة لأفضل أعضاء شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم الذين أظهروا تقدمًا كبيرًا في هذا المجال، وتعدّ تقديرًا للجهود المتميزة في تطوير مدن التعلم في المجتمعات حول العالم.
معايير الفوز بجائزة اليونسكو
تمنح جائزة اليونسكو لأفضل مدن التعلّم تقديرًا للجهود المتميزة في تطوير مدن التعلم في المجتمعات حول العالم، لعرض أفضل الممارسات في تعزيز جودة التعليم وفرص التعلم مدى الحياة للجميع. هذا التقدير يعكس التزام المدينة بتحقيق معايير عالمية في مجال التعليم والتنمية المستدامة.
وفي النهايه:
تعكس مبادرة مدن التعلّم في السعودية رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء مجتمع معرفي مستدام، قادر على مواكبة تحديات العصر وتحقيق التنمية الشاملة. من خلال تبني معايير اليونسكو العالمية وتوسيع نطاق هذه المدن، تسعى المملكة إلى تعزيز ثقافة التعلّم مدى الحياة وتمكين أفراد المجتمع من تحقيق طموحاتهم وإسهاماتهم في بناء مستقبل أفضل. هل ستتمكن بقية المدن السعودية من تحقيق معايير الجبيل الصناعية وتوسيع نطاق التنمية المستدامة؟








