مجلس الشورى: ركيزة التنظيم التشريعي في المملكة العربية السعودية
مجلس الشورى، الجهاز الحكومي ذو السلطة التنظيمية، يمثل أحد أهم المؤسسات في المملكة العربية السعودية. يقع مقره في العاصمة الرياض، وقد تأسس في عام 1343هـ/1924م تحت مسمى المجلس الشوري الأهلي، وذلك قبل استكمال توحيد المملكة. كان الهدف من إنشائه تنظيم المواد الأساسية لإدارة شؤون البلاد. وفي عام 1345هـ/1926م، تم تغيير اسمه إلى مجلس الشورى، ثم صدر في عام 1346هـ/1927م أمر ملكي بتفعيل المجلس وفقًا للنظام الجديد المعدل، ليُعتبر هذا العام هو التاريخ الفعلي لتأسيس المجلس في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود.
افتتح الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود دورة المجلس الأولى في عام 1346هـ/1927م. يتألف المجلس من رئيس، ونائب رئيس، ومساعد رئيس، وأمين عام، بالإضافة إلى الأعضاء. وفي خطوة تاريخية، تم تكليف سيدة سعودية بمنصب مساعد رئيس المجلس لأول مرة في عام 1442هـ/2020م.
تطورات مجلس الشورى عبر المراحل
المراحل التطويرية الست
مر مجلس الشورى بست مراحل تطويرية رئيسية حتى وصل إلى شكله الحالي. يضطلع المجلس بدور حيوي في إبداء الرأي حول السياسات العامة للدولة، والتي تُحال إليه من قبل رئيس مجلس الوزراء.
التأسيس الأول
تعود بدايات تشكيل مجلس الشورى إلى عام 1343هـ/1924م، عندما أسس الملك عبدالعزيز أول مجلس منتخب برئاسة الشيخ عبدالقادر الشيبي، بهدف تنظيم المواد الأساسية لإدارة البلاد. عُرف هذا المجلس باسم المجلس الأهلي الشوري. بعد عام واحد من إنشائه، قام الملك بتوسيع صلاحيات المجلس وصاغ اختصاصاته في سبع مواد، تعنى بتنظيم الأمور في المحاكم، والبلديات، والتعليم، والأوقاف، والأمن، والتجارة، بالإضافة إلى لجنة لحل المشكلات وفقًا للأعراف المعتبرة شرعًا.
تغيير المسمى وتطوير النظام
في عام 1345هـ/1926م، جرى تغيير اسم المجلس من المجلس الأهلي الشوري إلى مجلس الشورى. وشهدت الأعوام التالية تعديلات تطويرية لأنظمته، حيث رُفع عدد المواد المنظمة لعمله إلى 24 مادة. منذ تأسيسه في عهد الملك عبدالعزيز وحتى نهاية حكم الملك خالد بن عبدالعزيز، عقد المجلس 6222 جلسة، أسفرت عن إصدار 9349 قرارًا خلال 51 دورة.
تحديثات الملك فهد
خلال فترة حكم الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، أُعيدت صياغة نظام مجلس الشورى، وأُضيفت إليه تحديثات في عام 1412هـ/1992م، بهدف مواكبة متطلبات المرحلة. كما ضاعف الملك فهد عدد الأعضاء ليصل إلى 150 عضوًا.
عهد الملك عبدالله والمرأة في المجلس
في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، وخلال افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة الخامسة (1432-1433هـ)، صدر قرار ملكي بتعيين المرأة عضوًا في مجلس الشورى اعتبارًا من الدورة السادسة، وذلك للمشاركة في صنع القرار الوطني.
هيكلة مجلس الشورى
الأعضاء والشروط
يتكون المجلس من رئيس و150 عضوًا، من بينهم 30 سيدة. يختار الملك جميع الأعضاء من ذوي العلم والخبرة والاختصاص. لا يحق لأعضاء مجلس الشورى الجمع بين عضوية المجلس وأي وظيفة حكومية أو إدارة أي شركة، إلا إذا رأى الملك حاجة لذلك. تُحدَّد حقوق الأعضاء وواجباتهم وجميع شؤونهم بأمر ملكي، وتشترط العضوية أن يكون العضو سعودي الجنسية بالأصل والمنشأ، وألا يقل عمره عن ثلاثين سنة.
الدورة الزمنية للمجلس
تمتد دورة مجلس الشورى لأربعة أعوام هجرية، تبدأ من التاريخ المحدد في الأمر الملكي الصادر بتكوينه. يُشكَّل المجلس الجديد قبل انتهاء مدة سلفه بشهرين على الأقل. في حال انتهاء المدة قبل تكوين المجلس الجديد، يستمر المجلس السابق في أداء عمله حتى يُشكَّل المجلس الجديد. يُراعى عند تكوين المجلس الجديد اختيار أعضاء جدد لا يقل عددهم عن نصف عدد أعضاء المجلس المنتهي، ويؤدي رئيس وأعضاء المجلس والأمين العام القسم أمام الملك قبل أن يباشروا أعمالهم في المجلس.
الخطابات الملكية
مضامين الخطابات
في افتتاح دورة أعمال المجلس كل عام، يلقي الملك أو من ينيبه خطابًا ملكيًّا يتضمن سياسة الدولة الداخلية والخارجية. منذ عام 1343هـ وحتى عام 1443هـ، بلغ عدد الخطابات الملكية أكثر من 50 خطابًا.
مهام واختصاصات مجلس الشورى
الجلسات والقرارات
يعقد المجلس جلسة عادية كل أسبوعين على الأقل، ولا يُعَدّ اجتماع المجلس نظاميًّا إلا إذا حضر الاجتماع ثلثا أعضائه على الأقل، بمن فيهم الرئيس أو من ينوب عنه. وفقًا للمادة الحادية والثلاثين من اللائحة الداخلية للمجلس، تصدر قرارات المجلس بالأغلبية المنصوص عليها في المادة السادسة عشرة من نظام مجلس الشورى. إذا لم تتحقق هذه الأغلبية، يُعاد طرح الموضوع للتصويت في الجلسة التالية، وإذا لم تتحقق الأغلبية اللازمة في هذه الجلسة، يُرفع الموضوع إلى الملك، مُضمّنًا نتيجة التصويت عليه في الجلستين.
مجالات المناقشة
يناقش المجلس الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويدرس الأنظمة واللوائح والمعاهدات والاتفاقات الدولية والامتيازات، ويقترح ما يراه بشأنها. كما يناقش التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات والأجهزة الحكومية ويقترح ما يراه حيالها. يحق لمجلس الشورى اقتراح مشروع نظام جديد أو تعديل نظام نافذ بدراسته حسب المادة الثالثة والعشرين من نظامه، ويحق له أن يناقش أعمال الوزارات، ولديه الحق في طلب مناقشة أي وزير في أعمال وزارته بعد الرفع بذلك إلى رئيس مجلس الوزراء. يشارك مجلس الشورى مجلس الوزراء في السلطة التنظيمية للدولة التي تختص بوضع الأنظمة واللوائح بما يحقق المصلحة العامة، وذلك وفقًا لأحكام وضوابط المادة السابعة والستين من النظام الأساسي للحكم.
آلية اتخاذ القرارات
تُرفع قرارات مجلس الشورى إلى الملك الذي يقرر ما يحال منها إلى مجلس الوزراء. إذا اتفقت وجهات نظر مجلسي الوزراء والشورى، تصدر القرارات بعد موافقة الملك عليها. في حال تباينت وجهات نظر المجلسين، يُعاد الموضوع إلى مجلس الشورى ليبدي ما يراه بشأنه ثم يرفعه إلى الملك لاتخاذ القرار المناسب.
العلاقات الخارجية واللجان الداخلية
العضويات الدولية
مجلس الشورى عضو في 11 اتحادًا برلمانيًّا دوليًّا، من بينها الاتحاد البرلماني الدولي. يوجد في المجلس عدد من لجان الصداقة البرلمانية التي تعزز التعاون الدولي في مجال اختصاصه. يعتمد عمل المجلس على اللجان المكونة من الأعضاء، وعددها 14 لجنة، مقسمة حسب الموضوعات، مثل: الشؤون الخارجية والأمنية والمالية والاجتماعية والثقافية والصحية والحج وحقوق الإنسان، وغيرها.
مشاركة المواطنين
يتيح مجلس الشورى للمواطنين المشاركة بمرئياتهم ومقترحاتهم عبر خدمة إلكترونية (تقديم عريضة)، حيث تقوم على ذلك لجنة خاصة، ويتم عرض ما يستحق عرضه ومناقشته بعد إجراء الدراسة اللازمة لموضوعه.
مقر مجلس الشورى
التصميم المعماري
يقع مبنى المجلس في مجمع الديوان الملكي بالرياض، ويتميز بقبته الخضراء المائلة لونها إلى الأزرق، وصُمِّم ليجمع بين مزايا الحضارتين العربية والإسلامية وفن وطراز العمارة التقليدية السعودية، وتشكل بواباته والمنقوشات التي تُزينه بعض سماته الرئيسة الأخرى.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
مجلس الشورى يمثل جزءًا حيويًا من الهيكل التنظيمي في المملكة العربية السعودية. منذ تأسيسه، مر المجلس بمراحل تطويرية متعددة، وصولًا إلى شكله الحالي الذي يضم نخبة من الكفاءات الوطنية من الجنسين. دوره في إبداء الرأي حول السياسات العامة ومناقشة الخطط التنموية يعكس أهميته في صنع القرار. يبقى السؤال: كيف يمكن لمجلس الشورى أن يعزز من دوره في المستقبل، ليواكب التطلعات المتزايدة للمملكة في ظل رؤية 2030؟ هذا ما سيكشف عنه المستقبل القريب.







