الربا في الشريعة الإسلامية: نظرة تحليلية شاملة
في عالم المعاملات المالية، يبرز الربا كمفهوم ذي أهمية قصوى في الشريعة الإسلامية. يجب أن يكون كل من البائع والمشتري بالغين، وأن يكون البيع ملكًا للبائع أو أن يكون لديه إذن بالتصرف فيه، فالإسلام نهى عن بيع ما لا نملك. القدرة على تسليم المبيع هي شرط أساسي لإتمام عملية البيع، ومعرفة الثمن أمر ضروري. الإسلام فرض علينا البيع مع المماثلة في القيمة دون زيادة أو نقصان؛ أي مثلاً بمثل، فلا نبيع التمر بالشعير، وهذا ما يعرف بالربا.
الإسلام حرم التعامل بالربا؛ لأنه مخالف لشروط البيع والشراء، ولمبادئ الإسلام وأهدافه، وهو سبيل إلى دمار المجتمع وفساده. لذلك، يجب فهم مفهوم الربا وأنواعه لتجنبه، وهذا ما يهدف إليه هذا المقال.
مفهوم الربا في اللغة والشرع
التعريف اللغوي للربا
في اللغة العربية، الربا يعني الزيادة في شيء ما، فربا المال هو زيادته، وربا الشجر هو نموه وازدياده.
التعريف الشرعي للربا
في الشرع الإسلامي، الربا هو الزيادة في أحد النوعين من المال عن النوع الآخر، مثل الذهب مقابل الذهب والفضة مقابل الفضة، فإن زاد أحدهما على الآخر يصبح ربا.
قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “الذَّهبُ بالذَّهبِ مثلاً بِمثلٍ، سَواءً بِسَواءٍ، يَداً بِيَدٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مثلاً بِمثلٍ، سَواءً بِسَواءٍ، يَداً بِيَدٍ، والبِرُّ بالبِرِّ والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ مثلاً بِمثلٍ، سَواءً بِسَواءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَمَن زادَ، أو استَزادَ، فقد أَرْبَى”.
نستنتج من ذلك أنَّ كل زيادة على الأصل هي ربا سواء كانت الزيادة في اللحظة نفسها أم بعد فترة مخصصة من الزمن، فمثلاً أن يقوم أحدهم بإقراض 1000 قطعة نقدية لشخص آخر ويستردها بالمقابل بعد فترة من الزمن بـ 1100.
أنواع الربا المحرمة في الإسلام
تتنوع صور الربا التي حرمها الإسلام، ويمكن تصنيفها إلى نوعين رئيسيين:
1. ربا النسيئة: جوهر التعاملات الربوية في الجاهلية
كان هذا النوع الأكثر انتشاراً في الماضي، ويُقصد به بيع الأموال الربوية من جنسها أو غيرها متماثلة أو متفاضلة بشرط التأجيل؛ أي هو النوع المرتبط بالتأخير في الدفع، كأن يقوم الشخص بشراء سلعة ما لكن دون دفع ثمنها مباشرةً؛بل يتم الاتفاق على دفع ثمنها بعد فترة محددة من الزمن، لكن سيدفع حينها أكثر من القيمة الأساسية للسلعة؛ أي إنَّ الزيادة في قيمة السلعة هو ثمن تأخير المشتري في دفع المال للبائع، ومن صور ربا النسيئة ما يأتي:
أ. قلب الدين على المعسر: استغلال الحاجة في أقسى صورها
صورة من صور ربا النسيئة، وهي أن يكون لشخص مال مؤجل إلى وقت متفق عليه على شخص آخر، فإن حل أجل الدفع قال له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يرد المال إلى صاحبه تضاعف المال على المدين، وهذا أصل الربا في الجاهلية.
ب. ربا القرض: الصورة المعاصرة للتعاملات الربوية
صورة أخرى لربا النسيئة، وهي أن يقرض البنك شخصاً مبلغاً من المال وبزيادة معلومة مقابل تأجيل الدفع إلى وقت محدد، أو أن يتم الدفع على أقساط شهرية وبفائدة معلومة، وهو النوع الشائع حالياً في العالم.
2. ربا الفضل: الزيادة المحرمة في ذات اللحظة
في هذا النوع من الربا يتم بيع سلعة مقابل سلعة من جنسها مع زيادة واحدة على الأخرى وفي الوقت نفسه دون تأخير، كأن يبيع أحدهم درهماً بدرهمين، أو كيلو من التمر مقابل كيلو ونصف من التمر، أو أن يتم استبدال الذهب القديم بالذهب الجديد مع الاختلاف في وزن كل منهما.
حكم الربا في الإسلام: تحريم قاطع وأدلة واضحة
حرم الله تعالى ورسوله الكريم التعامل بين الناس بالربا بمختلف أنواعه، وتوجد العديد من الأدلة على تحريم الربا في الإسلام منها ما ورد في القرآن الكريم ومنها أحاديث رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذكر منها ما يأتي:
- قال الله تعالى: {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِىٓ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوٰةٍۢ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39].
- قال الله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰاْ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ(275) يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276].
- قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278].
- قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضْعَٰفاًمُّضَٰعَفَةً ۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130].
- قال الله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباًأَلِيماً} [النساء: 161].
- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”اجتنبوا السبع المُوبِقَات، قالوا: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله، والسحرُ، وقَتْلُ النفسِ التي حَرَّمَ الله إلا بالحق، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحْفِ، وقذفُ المحصناتِ الغَافِلات المؤمنات” متفق عليه.
- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:”لعَن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: (هم سواءٌ)” أخرجه مسلم.
- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:”جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟، قال بلال: كان عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع؛ ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أوه عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر ببيع آخر، ثم اشترِ به” متفق عليه.
- عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:”رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيانِي، فأخْرَجانِي إلى أرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فانْطَلَقْنا حتَّى أتَيْنا علَى نَهَرٍ مِن دَمٍ فيه رَجُلٌ قائِمٌ وعلَى وسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بيْنَ يَدَيْهِ حِجارَةٌ، فأقْبَلَ الرَّجُلُ الذي في النَّهَرِ، فإذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بحَجَرٍ في فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كانَ، فَجَعَلَ كُلَّما جاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى في فيه بحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كما كانَ، فَقُلتُ ما هذا؟ فقالَ: الذي رَأَيْتَهُ في النَّهَرِ آكِلُ الرِّبا”. رواه البخاري.
الحكمة من تحريم الربا في الإسلام: أبعاد اجتماعية واقتصادية
توجد أسباب عدة تفسر تحريم الله تعالى للتعامل بالربا، ونذكر من الأسباب ما يأتي:
- الحد من الإسراف؛ وذلك لأنَّ الإسراف من الأمور المذمومة في الإسلام.
- التقليل من الغش؛ وذلك لأنَّ تحريم الربا يجنب الناس التعرض للاحتكار ويساعد على حفظ الأموال من الضياع والهلاك.
- منع وقوع الظلم؛ وذلك لأنَّ الربا هو أخذ مال الناس من غير عوض وأكلها بالباطل، فإنَّ الذي أخذ المال قد حصل عليه دون بذل الجهد مقابل ذلك.
- الحفاظ على الخير والمعروف بين الناس والحث عليه؛ وذلك لأنَّ الربا يؤدي إلى قطع التراحم والمواساة ويقضي على روح التعاون بينهم، كما أنَّه السبب في العداوة بين الناس.
- منع اتخاذه وسيلة لكسب المال؛ وذلك لأنَّ المرابي لا يحتاج إلى العمل، فلا يتوجه إلى الأعمال التي تعود بالمال الحلال على القائم بها كالتجارة والصناعة والزراعة وغيرها.
- تحقيق العدالة الاجتماعية والتكافؤ المالي بين أفراد المجتمع؛ وذلك لأنَّ الربا يزيد الفقراء فقراً والأغنياء غنى، ويقضي على طبقة متوسطي الحال فتنحصر طبقات المجتمع بطبقتي الأغنياء والفقراء المعدومين فقط، وهذا ما يريد منعه الإسلام؛ وذلك لأنَّ سعادة المجتمع تكمن بالتكافل الذي يحقق رفاهية للجميع.
- منع حدوث أزمات اقتصادية؛ وذلك لأنَّ زيادة سعر الفائدة تؤدي إلى الزيادة في أسعار السلع والمنتجات في السوق فتنخفض لاحقاً القوة الشرائية، ويوجد فائض من المنتجات دون تصريف لها، كما أنَّه يؤدي إلى حدوث خلل في توزيع الثروة والموارد، وكل ما سبق يؤدي إلى حدوث أزمات اقتصادية من الصعب حلها وتتسبب أيضاً بزيادة المشكلات الاجتماعية في المجتمع.
- السعي إلى تحقيق المصلحة العامة؛ وذلك لأنَّ الربا يتسبب بانعدام المشاريع الإنتاجية التي تعود بالكثير من المنافع على المجتمع عامة، كما أنَّه يعطل المواهب والعقول ويجعل الأفراد يسعون إلى مصلحتهم الفردية فقط.
التوبة من الربا: طريق العودة إلى الله
إن اكتشف الإنسان المتعامل بالربا خطأه وتراجع عنه وتاب إلى الله عز وجل وأقلع عن التعامل مع الآخرين بالربا، فإنَّ الله عز وجل يتوب عليه بكرمه ورحمته الواسعة؛ وذلك لأنَّ الله غفور رحيم، لكن يجب عليه أولاً التخلص من المعاملة الربوية؛ أي يجب رد المال دون فائدة، وذلك تبعاً لقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279].
أي إنَّه من المفروض عدم ظلم المقترض بأخذ ما زاد على رأس المال الذي اقترضه، ويحدث ذلك في حال أنَّ المرابي لم يقبض الربا وما زالت في ذمم الناس، أما في حال كان المرابي قد قبض الربا ولديه أموال متجمعة من التعامل به فمن الأفضل التخلص منها بالصدقات والمشاريع الخيرية التي تعود بالفائدة على مختلف الناس في المجتمع؛ وذلك لأنَّ هذه الأموال أتت من كسب غير مشروع.
و أخيرا وليس آخرا
الربا من الكبائر والمحرمات في الإسلام، فهو كسب للمال الحرام دون بذل الجهد والتعب مقابل الحصول عليه؛ إنَّما كسبه باستغلال حاجة الآخرين وفقرهم الذي يدفعهم إلى اقتراض المال من الأغنياء، وللربا نوعان هما ربا النسيئة الذي يعني اقتراض المال ودفعه بعد فترة من الزمن محددة لكن مع زيادة على المبلغ المقترض، والنوع الثاني هو ربا الفضل الذي لا يرتبط بالتأخير بالدفع كالنسيئة؛ إنَّما يتم في اللحظة ذاتها بيع سلعة وأخذ مقابلها من جنسها نفسه ولك بزيادة إحداهما على الأخرى.
التعامل بالربا يعود بالكثير من الأضرار فهو يغيِّب التعاون والتراحم والشفقة ويؤدي إلى سيادة الظلم والحقد والكراهية ويخلق الأزمات الاقتصادية التي تتسبب في دمار المجتمع فهي تزيد الفقراء فقراً وتعاسةً في هذه الحياة، وكل ما سبق دفع الإسلام إلى تحريم التعامل بالربا بمختلف أشكاله مهما وجد مبررات لذلك؛ وذلك لأنَّ أحد أهداف الإسلام هو تحقيق العدالة الاجتماعية والتكافؤ بين مختلف أفراد المجتمع وسيادة الألفة والمحبة. هل يمكن للمجتمعات الحديثة أن تجد بدائل مستدامة وعادلة للتمويل تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وتحقق التنمية والازدهار للجميع؟











