فن المجس: أصالة الغناء الشعبي الحجازي
فن المجس، جوهرة من جواهر الغناء الشعبي الحجازي، يطل علينا من أعماق التاريخ. بدأ رحلته باسم “حداء الراعي”، ثم تطور ليُعرف بـ”الحداء المتقن”، مرورًا بألقاب “القهقهة”، “الصيحة”، و”المقرون”، ليستقر أخيرًا على اسم “المجس”. يشبه هذا الفن الموال العربي، إلا أن بينهما فروقًا جوهرية؛ فالموال يبدأ بعبارة “يا ليل يا عين” وينتقل من صوت غليظ إلى حاد، بينما ينطلق المجس بصوت حاد ثم يستقر على صوت غليظ. يزدهر فن المجس في غرب المملكة العربية السعودية، وتحديدًا في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
تاريخ عريق لفن المجس
يضرب فن المجس بجذوره في أعماق التاريخ، حيث نشأ في الحجاز، وتحديدًا في مدن مكة المكرمة، المدينة المنورة، وجدة. ورغم مرور الزمن، لا يزال هذا الفن يمارس حتى اليوم، محافظًا على مكانته كأحد الفنون السعودية الأصيلة التي انتشرت في مختلف الدول العربية. يُعزى سبب تسمية هذا الفن بالمجس إلى أن الجسيس (المغني) يقوم بـ”جس” نبض الجمهور قبل البدء بالغناء، وذلك لتهيئتهم لما سيقدمه من فن.
أداء فن المجس عبر العصور
في الماضي، كان المجس يؤدى لاستقبال قوافل الحجاج السنوية، التي كانت تصل إلى الحجاز على الدواب. كان أهل مكة، من شيوخها وأمرائها، يخرجون لاستقبال هذه القوافل عند أبواب المدينة، مرحبين بهم بالأغاني والأهازيج بقيادة كبار الجسيسة. يلقي كبير الجسيسة قصائد ترحيبية بنغم المجس، ثم يتبعه بقية الجسيسة بالغناء والاحتفال حتى نهاية الاستقبال. كان بوابة جدة، المعروفة اليوم بحي البيبان في مكة المكرمة، موقعًا رئيسيًا لهذه الاحتفالات.
المجس في المناسبات المختلفة
لم يقتصر فن المجس على استقبال الحجاج، بل كان حاضرًا أيضًا في وداع أهل مكة المسافرين إلى المدينة المنورة، وفي احتفالات مولد النبي صلى الله عليه وسلم. اللافت أن أهل مكة استبدلوا مسمى “الجسيس” إلى “المزهد” في هذه المناسبات الدينية، رغم أن نفس الأشخاص كانوا يمارسون “التجسيس” في حفلات الأفراح. أما اليوم، فيقتصر أداء فن المجس على مناسبات محددة كالأفراح وحفلات عقد القران في العائلات الميسورة.
قصائد فن المجس: تراث عريق
يستوحي الجسيس قصائده من التراث العربي القديم، معتمدًا على الوزن والقافية، مثل قصائد المعلقات. يبدأ الجسيس بأداء “المشق” ومدخل المجس، ثم ينطلق في “التبحير” باستخدام مقامات مختلفة، وهو ما يظهر براعة الجسيس وقدرته على التحكم في هذه المقامات.
زي المجس الحجازي: أناقة تعكس الأصالة
يتميز الجسيس بزي خاص يتكون من العمة التي توضع على الرأس، والثوب، والسديري الذي يرتديه فوق الثوب، والشال الذي يضعه على كتفه. كما يحمل الجسيس عصا، وفي بعض الأحيان يستبدل السديري بالبشت السعودي.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
فن المجس يمثل جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي الحجازي، يعكس تاريخًا طويلًا من الاحتفالات والتقاليد. من استقبال الحجاج إلى الأفراح والمناسبات الدينية، كان المجس دائمًا حاضرًا ليضفي جوًا من البهجة والروحانية. فهل سيحافظ هذا الفن على مكانته في ظل التغيرات الثقافية المعاصرة، أم سيقتصر على ذاكرة الماضي؟











