فن الخطابة والإلقاء في السعودية: تاريخ وتطور
في قلب الثقافة السعودية، يتربع فن الخطابة والإلقاء كأحد الفنون الرفيعة التي تجسد مهارات التواصل والتأثير. خطب الجمعة في المساجد تعد من أبرز الشواهد الحية على هذا الفن العريق. شهد هذا الفن تطوراً ملحوظاً في المملكة العربية السعودية، وذلك بفضل الجهود الحكومية التي سعت إلى تعزيزه وتعليمه، بالإضافة إلى تخصيص المسابقات والجوائز لتشجيع الممارسين.
تاريخ فن الخطابة في السعودية
الخطابة قبل تأسيس الدولة الحديثة
قبل تأسيس الدولة السعودية الحديثة، كانت الخطابة محصورة بشكل أساسي في خطب الجمعة والأعياد التي يلقيها خطباء المساجد. كان الهدف الرئيس من هذه الخطب يتمثل في تذكير الناس بأمور دينهم ودنياهم، ومعالجة قضايا المجتمع، أو توجيههم نحو الصالح العام، بالإضافة إلى الحث على تبني مواقف إيجابية تجاه الأحداث الجارية. أما الخطبة الثانية، فكانت تتضمن الأدعية والابتهالات والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
خطب الجمعة بعد توحيد المملكة
بعد توحيد المملكة العربية السعودية، شهدت خطب الجمعة تحولاً كبيراً. تم الاستعانة بالعلماء وخريجي الجامعات المتخصصين، الذين أسهموا في تخريج أجيال من العلماء والخطباء المجددين. أصبحت منابر المساجد والجوامع تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، التي تشرف على حوالي 100 ألف مسجد وجامع، وفقًا لإحصاء الهيئة العامة للإحصاء عام 2015م. هذه المساجد تسهم في نشر الوعي الشرعي، والتوجيه والإرشاد، وترسيخ قيم الانتماء والمواطنة، وتعزيز الوحدة الوطنية بين أفراد المجتمع. يحرص الخطباء على اختيار الموضوعات التي تعزز الوحدة والمحبة، مع التركيز على أهمية الالتفاف حول القيادة والحفاظ على مقدرات الوطن ومكتسباته.
تعليم الخطابة في السعودية
جهود المؤسسات الحكومية والأندية الأدبية
تنظم جهات حكومية وأندية أدبية في السعودية دورات وورش عمل مجانية لتعليم الخطابة وفنون الإلقاء. من بين هذه الجهات معهد الأئمة والخطباء التابع لوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الذي يقدم دورات تدريبية للخطباء والدعاة حول مهارات الخطابة والإلقاء وإعداد الكلمات والمحاضرات. بالإضافة إلى ذلك، تقدم المنصة التابعة للمركز الوطني للتعليم الإلكتروني دورات في فن الخطابة والإلقاء.
برنامج موهبة الإثرائي المهاري
تقدم مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع “موهبة” برنامجًا إثرائيًا مهاريًا في الإلقاء والخطابة. هذا البرنامج التدريبي يُنفذ حضوريًا في مدن الرياض وجدة والخبر، أو عن بُعد عبر منصة التعليم الإلكتروني للطلاب الموهوبين في جميع مناطق السعودية. يركز البرنامج على بناء المهارات الشخصية ومهارات الإلقاء والخطابة للطلاب في المرحلتين المتوسطة والثانوية، ويتضمن جلسات تدريبية وألعابًا وأنشطة لصقل هذه المهارات.
ويهدف البرنامج إلى تمكين الطلاب من التحكم في التوتر والارتباك، ومعرفة عناصر قوة الكلمة وعوامل النجاح، وتنمية مهارات الإصغاء، وإعداد وتنظيم الأفكار باستخدام الخرائط الذهنية، وتطوير مهارات لغة الجسد وقدرات الصوت والاتصال البصري في الإلقاء.
دورات وورش عمل أخرى
كما نظم المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات في عرعر دورة تدريبية بعنوان “مهارات الخطابة والإلقاء.. فن تحضير خطبة الجمعة”، استهدفت الخطباء والدعاة والمهتمين بفنون الإلقاء والخطابة. ركزت الدورة على مهارات إعداد وتنظيم الخطب المؤثرة، والتحكم في الوقت وتقسيم الأفكار، وتزويد المتدربين بالمهارات اللازمة للتحكم في المشاعر المصاحبة للإلقاء، وتجنب الإطالة والإمالة، وتنمية قدرات الصوت في الإلقاء، والتعرف على مهارة لغة الجسد.
كذلك، نظمت جمعية الثقافة والفنون في منطقة تبوك ورشة تدريبية في فن الخطابة والإلقاء مخصصة للأطفال، بعنوان “الخطيب الصغير”، لتطوير مواهبهم وإكسابهم مهارات الإلقاء والخطابة والمسرح.
أندية الخطابة في السعودية
أندية التوستماسترز العالمية
توجد في السعودية عدة فروع لأندية التوستماسترز العالمية للخطابة، وهي منظمة تعليمية غير ربحية تهدف إلى بناء الثقة وتعليم مهارات التحدث أمام الجمهور. تأسست المنظمة عام 1924م، ويبلغ عدد أعضائها نحو 270 ألف عضو في أكثر من 14 ألف ناد في 150 دولة.
مبادرات حكومية لدعم الخطابة
افتتحت وزارة التجارة ناديًا للتوستماسترز بهدف تطوير مهارات التواصل والقيادة لدى موظفي الوزارة. كما أطلقت أمانة العاصمة المقدسة ناديها للتوستماسترز وأقامت ملتقى الخطابة والقيادة. ويوجد نادي التوستماسترز النسائي للخطابة في مدينة تبوك.
مسابقات الخطابة والإلقاء في السعودية
تحدي الإلقاء للأطفال
تستضيف المملكة العربية السعودية مسابقات متخصصة في الخطابة والإلقاء، بتنظيم من جهات حكومية، وتشهد مشاركة واسعة من مختلف الفئات العمرية، مع تخصيص جوائز مالية قيمة للفائزين. من بين هذه المسابقات “تحدي الإلقاء للأطفال”، الذي ينفذه مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، بمشاركة أطفال من جميع أنحاء العالم، وتفوق جوائز التحدي 200 ألف ريال.
مسابقة صوت القصيدة
نظمت وزارة الثقافة مسابقة “صوت القصيدة” ضمن مبادرة عام الشعر العربي 2023م، لدعم الموهوبين في فن الإلقاء وتعزيز مهاراتهم.
مسابقات جامعية ومدرسية
تنظم جامعة الملك فيصل في الأحساء مسابقة للخطابة لطلابها وطالباتها، وتشارك مدارس سعودية في مسابقات الخطابة مثل مسابقة “خطيب المستقبل” التي نظمتها شعبة اللغة العربية في مكتب التعليم بالخبر. كذلك، نظمت إدارة التعليم في محافظة وادي الدواسر مسابقة “فرسان الإلقاء الفردي”، التي تهدف إلى غرس القيم الإسلامية والوطنية في نفوس الطلاب المشاركين.
وفي النهايه:
إن فن الخطابة والإلقاء في السعودية يمثل جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي والاجتماعي للمملكة، حيث شهد تطورًا ملحوظًا بفضل الجهود الحكومية والمؤسسات التعليمية والأندية الأدبية. من خلال تنظيم الدورات التدريبية وورش العمل والمسابقات، يتم تشجيع الأفراد على تطوير مهاراتهم في هذا الفن الرفيع، مما يسهم في تعزيز التواصل الفعال ونشر الوعي والإرشاد في المجتمع. يبقى السؤال مفتوحًا حول كيف يمكن لهذه الجهود أن تستمر وتتوسع لتشمل المزيد من الفئات والشرائح الاجتماعية، وتحقيق تأثير أعمق وأوسع في المستقبل؟











