خط التابلاين: إرث صناعي واقتصادي في السعودية
كان خط التابلاين عند تدشينه أكبر خط أنابيب نفطي في العالم، ممتدًا عبر أراضي المملكة العربية السعودية من الشرق إلى الشمال وصولًا إلى صيدا في لبنان. افتتح هذا الخط في عام 1369هـ/1950م بهدف أساسي وهو تسهيل وصول النفط إلى الأسواق الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط. استمر تشغيل خط الأنابيب هذا لمدة تقارب الأربعين عامًا، قبل أن يتوقف نهائيًا عن العمل في عام 1411هـ/1990م.
وقعت المملكة العربية السعودية اتفاقية إنشاء هذا الخط الحيوي مع شركة خط الأنابيب عبر البلاد العربية (تابلاين) بعد تسع سنوات من اكتشاف النفط بكميات تجارية، مما أتاح لها توسيع نطاق التصدير عبر البحر الأبيض المتوسط. هذا المشروع الضخم لم يكن مجرد بنية تحتية، بل كان علامة فارقة في مسيرة التطور الاقتصادي والصناعي للمملكة.
المسار الممتد لخط التابلاين
أبعاد وتكاليف المشروع
يمتد خط التابلاين الفولاذي على مسافة تقدر بـ 1,648 كيلومترًا، ويرتبط بشبكة أنابيب أخرى يصل طولها إلى 500 كيلومتر، مملوكة لشركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية). استغرق إنشاء هذا الخط ثلاث سنوات، وبلغت تكلفته الإجمالية 230 مليون دولار أمريكي. شارك في بنائه حوالي 16 ألف مهندس وعامل، واستُخدم فيه أكثر من 200 ألف أنبوب فولاذي، يبلغ طول كل منها تسعة أمتار. كانت القدرة الاستيعابية للخط تصل إلى خمسة ملايين برميل من النفط، تعبر الأراضي العربية خلال 16 يومًا.
محطات على طريق التابلاين
عبر خط الأنابيب مناطق صحراوية ووعرة، تطورت على أطرافه مدن سعودية ازدهرت مع استقرار العاملين في المشروع، مثل القيصومة في المنطقة الشرقية، ومدن عرعر ورفحاء وطريف في منطقة الحدود الشمالية. كان النفط السعودي يُعالج في منشآت حقل بقيق النفطي، ثم يُضخ عبر أولى محطات التابلاين في مدينة القيصومة، مرورًا برفحاء وعرعر وطريف بمنطقة الحدود الشمالية، وصولًا إلى محافظة القريات بمنطقة الجوف، ومن ثم إلى الأردن وسوريا وصولًا إلى ميناء صيدا في لبنان.
توقف العمل بخط التابلاين
شهد خط التابلاين توقفات متقطعة قبل إيقافه النهائي في عام 1411هـ/1990م، حيث تأثر بالحرب الأهلية اللبنانية في عام 1395هـ/1975م، مما أدى إلى توقف ضخ النفط إلى ميناء صيدا في عام 1983م. دفع هذا الأمر شركة أرامكو إلى إيقاف العمل بالخط مؤقتًا في عام 1404هـ/1984م، قبل أن تتسبب حرب الخليج في توقفه التام.
التابلاين: أول موقع للتراث الصناعي في السعودية
يُعتبر خط التابلاين أول موقع يُصنف ضمن التراث الصناعي في السعودية. في عام 1442هـ/2020م، اختارته هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة لتوثيقه في سجل التراث الصناعي الوطني، تقديرًا لدوره كشاهد على التطور الصناعي والاقتصادي الذي شهدته المملكة. هذا الاعتراف يعكس الأهمية التاريخية والثقافية لهذا المعلم الذي يربط بين الماضي الصناعي والحاضر المزدهر للمملكة.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
خط التابلاين، الذي كان يوماً ما شريانًا حيويًا لنقل النفط السعودي إلى الأسواق العالمية، يمثل اليوم رمزًا للتطور الصناعي والاقتصادي في المملكة العربية السعودية. من خلال مساره الطويل وتأثيره العميق على المجتمعات المحلية، يظل خط التابلاين شاهدًا على حقبة مهمة من تاريخ المملكة، ومصدر إلهام للأجيال القادمة. فهل يمكن لهذا الإرث الصناعي أن يلعب دورًا في تعزيز السياحة الثقافية وتسليط الضوء على تاريخ الصناعة النفطية في المملكة؟ هذا ما سيجيب عليه سمير البوشي في مقالات قادمة في بوابة السعودية.











