الجاذبية المفرطة وأقوى جهاز طرد مركزي في العالم
في عالم الهندسة والفيزياء، تتسارع وتيرة التطور التكنولوجي بشكل مذهل، حيث تتجاوز الابتكارات الحدود المألوفة وتفتح آفاقًا جديدة للاستكشاف والبحث العلمي. ومن بين هذه الإنجازات، يبرز مشروع صيني طموح يهدف إلى محاكاة قوى الجاذبية المفرطة، مما يمهد الطريق لإحداث ثورة في مجالات متعددة تتراوح بين استكشاف أعماق المحيطات وتطوير مواد متقدمة.
ما هي الجاذبية المفرطة؟
الجاذبية المفرطة هي أي قوة جاذبية تتجاوز تلك الموجودة على سطح كوكبنا. لتوضيح ذلك، يمكن مقارنتها بتجربة ركوب الأفعوانية، حيث يتعرض الراكب مؤقتًا لقوة تعادل ضعف جاذبية الأرض. بينما يتحمل رواد الفضاء أثناء إطلاق المكوك قوة تصل إلى خمسة أضعاف جاذبية الأرض (“5G”).
CHIEF1300: إنجاز هندسي فريد
قامت الصين بتدشين أضخم جهاز طرد مركزي في العالم من حيث القدرة، المعروف باسم CHIEF1300، القادر على توليد قوى تتجاوز جاذبية الأرض بـ 300 مرة، مع قدرة استيعاب تصل إلى 20 طنًا. هذا الإنجاز يمثل نقلة نوعية في مجال البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.
تفاصيل حول CHIEF1300
يُعتبر CHIEF1300، رمزًا لمنشأة تجربة الجاذبية الفائقة والتخصصات المتعددة (CHIEF) قيد الإنشاء في مدينة هانغتشو بمقاطعة تشجيانغ بشرق الصين، وهو مكون أساسي فيها.
استخدامات الجهاز
يمكن الاستفادة من هذا الجهاز العملاق في مجالات بحثية رائدة، تشمل:
- استخراج الموارد من أعماق المحيطات والأرض.
- التخفيف من الكوارث والوقاية منها، والتخلص من النفايات تحت الأرض.
- تطوير وتركيب مواد جديدة.
مكونات الجهاز
طورت جامعة تشجيانغ صاروخ CHIEF، الذي يضم ثلاثة أجهزة طرد مركزي و18 جهازًا للطائرات، لدعم ست كبائن تجريبية. إضافة إلى ذلك، يجري حاليًا بناء جهازي طرد مركزي آخرين بسعة أكبر.
قدرات فريدة
على النقيض من ذلك، صُممت مركبة CHIEF للحفاظ على تسارع يصل إلى 1500G، مما يتيح للباحثين إجراء تجارب فريدة في بيئات قاسية.
أهمية محاكاة الجاذبية المفرطة
أوضح تشين يونمين من جامعة تشجيانغ، كبير العلماء في المنشأة: “في مجال الجاذبية المفرطة، يمكن للباحثين محاكاة الكوارث الهيدروجيولوجية في العالم الحقيقي، والتطور الجيولوجي، والبيئات المتطرفة في نماذج مصغرة على مستوى المختبر ضمن إطار زمني معقول”.
ضاغط زمكاني
في ظل هذه الظروف القاسية، يعمل CHIEF كضاغط زمكاني، فمثلًا، عند قوة 100 جي، يحاكي نموذج بمقياس متر واحد أحداثًا قد تحدث على مقياس 100 متر.
تسريع التجارب
يختصر الجهاز رحلة سحابة الملوثات التي قد تستغرق قرنًا في الواقع إلى 3.65 يومًا فقط في المختبر.
CHIEF1300: نظرة عن كثب
في قاعة آلات “CHIEF1300″، وهي قبو دائري بمساحة 230 مترًا مربعًا، يدور ذراع عملاق نصف قطره 6.4 أمتار بسرعة عالية لتوليد جاذبية هائلة عبر قوى الطرد المركزي. وكلما زادت سرعة دورانه، زاد تسارع الطرد المركزي.
تصميم متطور
قال لينغ داو شنغ، كبير مهندسي المنشأة في جامعة تشجيانغ: “تم وضع CHIEF1300 تحت مستوى الأرض، وتم تجهيزه بإعدادات التبريد بالفراغ والجدران للتخفيف من التأثيرات الضارة لمقاومة الهواء وتسخين الآلة”.
نتائج الاختبارات التجريبية
أسفرت الاختبارات التجريبية للمنشأة بالفعل عن نتائج جديدة، حيث قام الباحثون بمحاكاة زلازل قوية للتحقق من الأداء الزلزالي لأساسات سد للطاقة الكهرومائية.
تطبيقات عملية
- تحديد كميًا تأثير موجة بارتفاع 4 أمتار وتسونامي بارتفاع 20 مترًا على قاع البحر، وذلك لتوفير مرجع لاختيار موقع مزارع الرياح البحرية.
- إعادة إنتاج ضغط مياه البحر على عمق 2000 متر لتقييم استخراج هيدرات الميثان والسلامة.
- تصنيع سبائك معدنية منخفضة العيوب وعالية القوة والمرونة.
رؤية مستقبلية
أكد تشين أن المنشأة ستعمل كمركز مفتوح ومشترك للعلوم الرائدة، مع التطلع إلى التعاون مع أفضل المجموعات البحثية في العالم لتسريع الاكتشاف وتحفيز الابتكار.
وأخيرا وليس آخرا
إن تطوير جهاز CHIEF1300 يمثل قفزة نوعية في مجال البحث العلمي والهندسة، حيث يفتح الباب أمام استكشاف بيئات وظروف لم يكن بالإمكان الوصول إليها من قبل. يبقى السؤال مفتوحًا حول الآفاق المستقبلية التي يمكن أن يحققها هذا الإنجاز، وكيف ستسهم هذه التكنولوجيا في حل التحديات التي تواجه البشرية في مجالات الطاقة، والموارد، والسلامة البيئية. هذا المشروع يجسد الطموح البشري الدائم نحو المعرفة والابتكار، ويؤكد أن حدود العلم لا تزال تتسع باستمرار.









