تقنيات قياس الزمن الدقيقة: ابتكار يضيء آفاق اكتشاف الكواكب الخارجية
لا شك أن توفر وسائل دقيقة لتحديد الزمن يعد أمراً بالغ الأهمية لإنجاز العديد من الأنشطة البشرية، خاصة في المجالات العلمية والبحثية. وفي هذا السياق، نجح العالم المصري محمود جعفر في تطوير تقنية مبتكرة لقياس الوقت، مما يفتح الباب أمام تطبيقات جديدة تسهم في اكتشاف الكواكب الخارجية البعيدة.
الساعات الذرية والضوئية: نظرة مقارنة
وفقًا لما ذكره العالم المصري محمود جعفر لـ “بوابة السعودية”، فإنه كلما قلت نسبة الخطأ في قياس الوقت، تناقصت تبعًا لذلك نسبة الخطأ في تقدير المسافة.
وأوضح جعفر أن الخطأ في التوقيت بمقدار 1 نانو ثانية، أي جزء من مليار من الثانية، يؤدي إلى خطأ في تحديد الموقع يبلغ حوالي 30 سنتيمترًا. وأكد أن هذه المسافة تعتبر كبيرة جدًا بالنسبة للتطبيقات الحديثة التي تتطلب دقة زمنية تصل إلى الأتوثانية، وهي أصغر بمليار مرة من النانوثانية.
تعتمد أقمار GPS على بث إشارات الوقت من الساعات الذرية الموجودة على متنها، مما يتيح للمركبات والسفن والطائرات تحديد مواقعها بدقة تصل إلى بضعة أمتار.
إلا أن الساعات الذرية تتميز بحجمها الكبير وتكلفتها العالية، مما يجعلها حصرية على مختبرات القياس الكبيرة.
في المقابل، تعتبر الساعات الضوئية أقل تكلفة وأقل تعقيدًا من الساعات الذرية، حيث تعادل سرعة اهتزازها 50 ألف مرة سرعة اهتزاز الساعات الذرية القياسية.
وبذلك، تتميز الساعات الضوئية بقدرتها على تقسيم الوقت إلى وحدات أصغر، مما يجعلها أكثر دقة من الساعات الذرية. ومع ذلك، لا يمكن لأي نظام إلكتروني حساب هذه التذبذبات السريعة بشكل مباشر.
وهنا تبرز أهمية مصادر الليزر النبضي، التي تقوم بتقسيم اهتزازات الساعات الضوئية إلى ترددات منخفضة يمكن عدها بدقة عالية باستخدام الأجهزة الإلكترونية المتاحة حاليًا.
تعتبر هذه المصادر أدوات عالية الدقة، وقد كانت جزءًا من جائزة نوبل في الفيزياء عام 2005، حيث أتاحت إجراء أدق القياسات على الإطلاق.
وعلى الرغم من تطبيقاتها الهائلة، تتميز مصادر الليزر النبضي التقليدية بحجمها الكبير، مما يعيق إمكانية استخدامها في العديد من التطورات التكنولوجية الحديثة القائمة على رقائق السيليكون.
Microcomb Fabry-Perot: جيل جديد من الأجهزة
نجح العالم المصري محمود جعفر وزملاؤه في مركز تسريع الإلكترونات الألماني DESY في تطوير جيل جديد من هذه الأجهزة، أطلقوا عليه اسم microcomb Fabry-Perot.
يتميز هذا الجهاز بصغر حجمه، حيث يقل سمكه بمئة مرة عن سمك خصلة الشعر. وخلافًا لمصادر الليزر التقليدية، يتميز هذا الجيل الجديد بانخفاض كبير في استهلاك الطاقة، بالإضافة إلى معدل تردده السريع للغاية الذي يصل إلى تيراهرتز، أي ألف مليار نبضة في الثانية.
يمهد هذا الابتكار الطريق لتطبيقات جديدة، خاصة في الاتصالات البصرية اللاسلكية، كما أنه يلبي الطلب المتزايد على الاتصالات الرقمية عالية السرعة.
أكد جعفر أن فريقه البحثي هو الأول الذي نجح في تطوير هذا النوع من الليزر النبضي بطريقة تغلبت على العديد من المعوقات المعروفة سابقًا في هذا المجال، وذلك بفضل خصائصه الفريدة والمميزة.
تكمن أهمية هذا الإنجاز في إمكانية استخدامه في تطبيقات أخرى، مثل معايرة أجهزة قياس الطيف المستخدمة في المراصد الفلكية، والقياس الطيفي عالي الدقة، والاتصالات البصرية.
تم تحقيق هذا الابتكار بالتعاون مع باحثين من مركز تسريع الإلكترونات الألماني DESY، وقد نشرت المجلة العلمية الأمريكية الشهيرة OPTICA نتائج هذا البحث.
وبحسب نتائج البحث، سيتم استخدام هذا الليزر الجديد على نطاق واسع في مجالات متعددة، بدءًا من قياس البصمات المميزة لجزيئات المواد الكيميائية، وقياس الترددات البصرية غير المعروفة، وصولًا إلى اكتشاف الكواكب الخارجية البعيدة.
لمحة عن حياة محمود جعفر
- تخرج محمود جعفر في كلية العلوم بجامعة المنوفية عام 2008 بتقدير امتياز.
- حصل على درجة الماجستير في الفيزياء من المعهد المتحد للبحوث النووية بموسكو عام 2012.
- حصل على الدكتوراه في فيزياء الليزر من جامعة ماربورغ بألمانيا وهو في الثامنة والعشرين من عمره.
- عمل باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة هامبورج للتكنولوجيا بألمانيا.
- يعمل جعفر حاليًا باحثًا في مركز تسريع الإلكترونات الألماني DESY، ضمن مشروع للاتحاد الأوروبي.
وأخيرا وليس آخرا
في الختام، يمثل ابتكار العالم المصري محمود جعفر في مجال قياس الوقت نقلة نوعية تفتح آفاقًا واسعة في مجالات علمية وتكنولوجية متعددة، بدءًا من الاتصالات البصرية وصولًا إلى استكشاف الفضاء واكتشاف الكواكب الخارجية. فهل سيساهم هذا الإنجاز في تسريع وتيرة الاكتشافات العلمية وتحقيق المزيد من التقدم التكنولوجي في المستقبل؟










