الديون الخارجية للمملكة العربية السعودية: تحليل شامل
تُعد الديون الخارجية إحدى الأدوات المالية التي تلجأ إليها الدول لتوفير السيولة اللازمة، وهي جزء لا يتجزأ من الدين العام الكلي للدولة، بالإضافة إلى الدين العام الداخلي. تُعرَّف الديون الخارجية بأنها مجموع السندات والأوراق المالية التي يمتلكها أطراف من خارج الدولة، سواء كانوا حكومات أجنبية، أو أفرادًا مقيمين خارج الحدود، أو هيئات ومنظمات دولية.
تاريخ الدين الخارجي للمملكة
تراجع الدين في فترات الوفرة
بفضل الفوائض النقدية التي حققتها المملكة وتقليل العجز في الميزانية، تمكنت السعودية من تقليص حجم الدين العام تدريجيًا بدءًا من عام 1426هـ (2005م) وحتى عام 1435هـ (2014م). في عام 1432هـ (2011م)، وصل حجم الدين إلى نسبة 5.4% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وفي العام التالي، أصبحت السعودية ثالث أقل دولة مدينة على مستوى العالم بنسبة متدنية بلغت 3% من إجمالي الناتج المحلي. واستمر هذا التوجه نحو تقليل الدين حتى وصل إلى أدنى مستوياته، حيث مثّل 1.6% فقط من إجمالي الناتج المحلي في عام 1435هـ (2014م).
تأثير انخفاض أسعار النفط
في عام 1436هـ (2015م)، أدى الانخفاض الحاد في أسعار النفط إلى تزايد العجز في الميزانية العامة، ليصل إلى 388 مليار ريال. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.8%. في نهاية ديسمبر 2015م، بلغت الديون القائمة على الحكومة نحو 142.2 مليار ريال (37.9 مليار دولار أمريكي)، وكانت جميعها ديونًا محلية.
حركة الدين الخارجي وتطوره
ظهور الدين الخارجي في الميزانية
بدأ الدين الخارجي يظهر بوضوح في بيانات الميزانية التي تعدها وزارة المالية اعتبارًا من عام 1437هـ (2016م). في 31 ديسمبر 2016م، بلغت الديون الخارجية المباشرة القائمة على الحكومة حوالي 103.1 مليارات ريال (27.5 مليار دولار)، ثم ارتفعت في 31 ديسمبر 2017م إلى 183.8 مليار ريال (49 مليار دولار).
تزايد الدين مع استمرار العجز
مع استمرار تراجع أسعار النفط وزيادة العجز في الميزانية، واصلت الديون الخارجية المباشرة القائمة على الحكومة ارتفاعها لتصل إلى 255 مليار ريال (68 مليار دولار) في 31 ديسمبر 2018م. واستمر هذا الصعود وفقًا لبيانات 31 ديسمبر 2019م، حيث بلغت 305.2 مليارات ريال (81.4 مليار دولار)، ثم إلى 350.2 مليار ريال (93.4 مليار دولار) في سبتمبر 2020م.
تقلبات الدين في السنوات الأخيرة
ارتفعت الديون الخارجية أيضًا في سبتمبر 2021م إلى 387.6 مليار ريال (103.4 مليارات دولار)، قبل أن تتراجع في ديسمبر 2021م إلى 379.3 مليار ريال (101.1 مليار دولار)، ثم إلى 375.1 مليار ريال (100 مليار دولار) في ديسمبر 2022م.
أحدث المستجدات
في ديسمبر 2023م، عادت الديون الخارجية إلى الارتفاع مرة أخرى لتصل إلى 405.9 مليارات ريال (108.2 مليارات دولار). وبلغت الديون الخارجية على الحكومة السعودية في يونيو 2024م، حوالي 468.9 مليار ريال (125.0 مليار دولار).
محفظة الدين العام: نظرة عن كثب
نمو محفظة الدين في عام 2020
في عام 1442هـ (2020م)، شهدت محفظة الدين العام نموًا ملحوظًا، حيث ارتفع حجمها بمقدار 176 مليار ريال، أي ما يعادل 26%. وقد تحقق ذلك من خلال عمليات تمويلية إجمالية قُدّرت بنحو 220 مليار ريال، تضمنت تمويلًا دوليًّا بقيمة 46 مليار ريال، بالإضافة إلى تنويع مصادر التمويل على المستويين المحلي والدولي.
مواجهة التحديات الاقتصادية
في ظل تراجع الطلب وأسعار النفط بسبب جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، اتبعت السعودية سياسة مالية متوازنة. وشاركت المملكة في أسواق الدين الدولية مرتين خلال عام 2020م، وحققت أدنى عائد من الإصدار على الإطلاق في يناير، بينما حقق إصدار أبريل أعلى طلب في الأسواق الناشئة بنسبة تغطية بلغت 7.7 مرات. وجرى تمديد منحنى عائد السعودية على الصعيد الدولي من خلال طرح سندات لأجل 35 و40 سنة لأول مرة.
تطور محفظة الدين في 2021-2023
في عام 2021م، ارتفع حجم محفظة الدين العام بنحو 85 مليار ريال ليصل إلى 938 مليار ريال، أي ما يعادل 30.0% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي عام 2022م، زاد حجم المحفظة بنحو 52 مليار ريال ليصل إلى 990 مليار ريال، وهو ما يعادل 25.0% من الناتج المحلي الإجمالي. تعزى هذه الزيادة إلى عمليات التمويل الاستباقية التي نُفذت لإدارة مخاطر إعادة التمويل وسط ارتفاع أسعار الفائدة. وفي عام 2023م، ارتفع حجم محفظة الدين العام بنحو 60 مليار ريال ليصل إلى 1,050 مليار ريال، أي ما يعادل 25.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
محفظة الدين الدولية: إدارة المخاطر
إدارة مخاطر العملات الأجنبية
وفقًا لإجراءات وسياسات المركز الوطني لإدارة الدين العام، فإن محفظة الدين الدولية الحالية والمتوقعة تحتوي على مخاطر محدودة لمتغيرات أسعار صرف العملات الأجنبية. ويعود ذلك إلى الاحتياطي السعودي المتين من العملات الأجنبية، ومراكز الأصول القوية، وسياسة سعر الصرف المستقرة.
الدين المقوم باليورو
بلغ الدين المقوم بعملة اليورو أقل من 1.5% من إجمالي محفظة الدين في نهاية عام 2020م، ونحو 2% من إجمالي محفظة الدين في نهاية 2021م، والنسبة نفسها في نهاية 2022م، وفي نهاية 2023م.
تنويع الإصدارات المحلية والخارجية
استراتيجية الدين العام
لتحقيق مزيد من الانضباط المالي في المالية العامة، بدأت استراتيجية الدين العام تعتمد على تنويع الإصدارات بين محلية وخارجية من خلال إصدار الصكوك والسندات بآجال مختلفة ومتنوّعة بين قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل.
سياسة التوازن في الميزانية
اتبعت وزارة المالية في الميزانية العامة للدولة للعام المالي 2018م، سياسة توازن بين إصدارات الدين والسحب من ودائع الحكومة والاحتياطي العام للدولة لتمويل عجز الميزانية، وعملت على تنويع إصداراتها المحلية والخارجية من خلال إصدار صكوك وسندات بنحو 134 مليار ريال، منها نحو 33.7 مليار ريال صكوك خارجية و46.8 مليار ريال سندات خارجية.
برنامج الصكوك الدولي
في عام 2017م، قام المركز الوطني لإدارة الدين (مكتب إدارة الدين العام سابقًا) بترتيب برنامج صكوك دولي، وطرح أكبر إصدار صكوك سيادية في الأسواق الناشئة في أبريل، والذي تجاوز أكبر إصدار صكوك سيادية سابقة في العالم بأكثر من الضعف.
تفاصيل الطرح
تألف الطرح الذي بلغت قيمته نحو 9 مليارات دولار من شريحتين: شريحة لمدة خمس سنوات بقيمة 4.5 مليارات دولار تاريخ استحقاقها في 20 أبريل 2022م، وعائد يبلغ 2.894% سنويًّا وقت إصدارها، وشريحة أخرى لمدة 10 سنوات بقيمة 4.5 مليارات دولار تاريخ استحقاقها في 20 أبريل 2027م وعائد قدره 3.628% سنويًّا وقت إصدارها.
إصدارات السندات الدولية
كما واصلت وزارة المالية عبر المركز الوطني لإدارة الدين الحصول على مزيد من الأموال من خلال طرح السندات، إذ تمكّنت من إدارة الإصدار الدولي الثاني للسندات في سبتمبر 2017م، وتألف الطرح المقدّم من 12.5 مليار دولار من ثلاث شرائح: ثلاثة مليارات دولار لمدة خمس سنوات تاريخ استحقاقها في 4 مارس 2023م وعائد 3.009% سنويًّا في وقت الإصدار، وشريحة ثانية بقيمة خمسة مليارات دولار لمدة 10 سنوات تاريخ استحقاقها في 4 مارس 2028م وعائد قدره 3.762% سنويًّا وقت إصدارها، وشريحة ثالثة بمبلغ 4.5 مليارات دولار تاريخ استحقاقها في 4 أكتوبر 2047م وعائد قدره 4.663% سنويًّا وقت إصدارها.
السياسة النقدية السعودية
تعزيز الاستقرار المالي
أسهمت السياسات النقدية التي تتبعها السعودية في تعزيز الاستقرار النقدي والمالي بها، وكسب ثقة المستثمرين الدوليين. في مارس 2018م، تسلّم مكتب إدارة الدين العام (المركز الوطني لإدارة الدين حاليًّا) موافقة مجموعة المؤسسات المالية المشاركة في القرض المجمع على الشروط المطروحة من قبله، ما يعني نجاح المركز مرة أخرى في تعديل وإعادة تسعير ومد فترة القرض الدولي المجمع للسعودية الذي تم ترتيبه عام 2016م والبالغ 10 مليارات دولار.
جاذبية الاستثمار في الدين السعودي
من واقع متانة المركز المالي للسعودية وقوة اقتصادها، فقد ارتفع الطلب على الاستثمار في إصدارات الدين المحلية والدولية بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال النصف الأول من عام 2019م، إذ سجل أول إصدار باليورو أكثر من أربعة أضعاف الاكتتاب المتوقع، إلى جانب ذلك جرى تخفيض القيمة الاسمية للصكوك الحكومية إلى ألف ريال، لتنويع شريحة المستثمرين وتعزيز التداول وادخار الأفراد.
زيادة إصدارات الدين في 2020
شهد عام 2020م زيادة في إصدارات الدّين المُعلن عنها، ووصلت إلى نحو 100 مليار ريال إضافية لمبلغ سابق هو 120 مليارًا سبق الإعلان عنه، ليصبح الإجمالي 220 مليارًا، وقد وجد الإصدار الثاني لأدوات الدين في السوق الدولية لذلك العام طلبًا كبيرًا، مما عزز الوضع الائتماني للسعودية وتأكيد قوة مركزها المالي.
تطور في إدارة الدين
التوازن المالي وتطوير القطاع المالي
أدّى التنفيذ المتميّز لخطط واستراتيجيات برنامجي التوازن المالي (الاستدامة المالية لاحقًا) وتطوير القطاع المالي إلى تحقيق تطور مهم في إدارة الدين، إذ أُقفل الطرح الدولي الثاني المقوّم باليورو من برنامج سندات حكومة السعودية في فبراير 2021م، خلال وقت قياسي لم يتجاوز يومًا واحدًا.
الاستفادة من سوق اليورو
شكّلت تلك العملية اغتنامًا مثاليًّا لفرصة دخول السوق اليورو الأوروبي (ثاني أكبر سوق بعد سوق الدولار الأمريكي) بإصدار أدوات دين بعائد سلبي، ليكون أكبر شريحة أصدرت بالسالب خارج دول الاتحاد الأوروبي، وجرى جمع نحو 1.5 مليار يورو من الاكتتابات، وكان ثاني إصدار دولي لعام 2021م بعد أن أصدرت السعودية خمسة مليارات دولار في يناير من العام نفسه.
إعادة شراء السندات وإصدار سندات جديدة
في إطار ترتيب المركز الوطني لإدارة الدين لأول عملية إعادة شراء جزئي لسندات حكومة السعودية المقوّمة بالدولار، وإصدار صكوك وسندات مقوّمة بالدولار مقسمة على شريحتين تُستحق في عامي 2028م و2032م على التوالي، بقيمة إجمالية بلغت 5 مليارات دولار، فقد أعلن في عام 2022م عن استكمال أول عملية إعادة شراء جزئي للسندات المقومة بالدولار الأمريكي والمستحقة في الأعوام 2023م و2025م و2026م بقيمة إجمالية بلغت 1.3 مليار دولار (نحو 4.8 مليارات ريال)، وإصدار سندات دولارية مقابلها، إضافةً إلى إتمام عملية إعادة الشراء المحلية بقيمة تجاوزت 26 مليار ريال، إذ سُددت أدوات دين مستحقة في 2023م، و2024م، و2026م، وإصدار صكوك مقابلها.
إعادة الشراء المحلية في 2023
خلال عام 2023م أتمّ المركز عملية إعادة الشراء المحلية بقيمة بلغت نحو 36 مليار ريال، إذ تم سداد أدوات دين مستحقة في 2024م، و2025م، و2026م، وإصدار صكوك مقابلها، مما ساهم في ارتفاع متوسط عمر محفظة الدين وخفض مخاطر إعادة التمويل للأعوام المقبلة.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
في هذا التحليل المفصل الذي قدمه سمير البوشي في بوابة السعودية، استعرضنا تطورات الديون الخارجية للمملكة العربية السعودية، بدءًا من فترات الوفرة وتراجع الدين، مرورًا بتأثير انخفاض أسعار النفط وتزايد العجز، وصولًا إلى أحدث المستجدات المتعلقة بمحفظة الدين العام وإدارة المخاطر. هل ستستمر المملكة في تنويع مصادر تمويلها وتقليل اعتمادها على الدين الخارجي في المستقبل؟










