برامج الابتعاث في السعودية: ركيزة أساسية لدعم التنمية الوطنية
الابتعاث في السعودية يمثل استراتيجية محورية تبنتها المملكة العربية السعودية بهدف تطوير القدرات العلمية للطلاب والموظفين، وذلك من خلال توفير فرص تعليمية متقدمة سواء داخل المملكة أو خارجها.
تعود فكرة الابتعاث إلى عهد المؤسس، الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وذلك بعد الموافقة على مشروع البعثات الذي أعدته لجنة متخصصة في التعليم عام 1346هـ/1927م.
تاريخ الابتعاث في المملكة العربية السعودية
الابتعاث في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود
بدأت برامج الابتعاث في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود، بناءً على اقتراح من مجموعة من المهتمين بالتطوير والتعليم. بعد دراسة هذا المقترح، أمر الملك بتشكيل لجنة مختصة لدراسة المشروع، والتي قدمت بدورها تقريرًا مفصلًا حظي بالموافقة. في عام 1346هـ/1927م، وجه الملك بإرسال أول بعثة سعودية إلى مصر، مكونة من تسعة أفراد: ثلاثة من أصحاب الاقتراح وستة طلاب. غطت هذه البعثة جميع النفقات، بما في ذلك المخصصات الشخصية وتوفير المرافق اللازمة، مع إلزام المبتعثين بالعمل في القطاعات التي تحددها الحكومة بعد إتمام دراستهم.
التوسع في برامج الابتعاث
شهدت برامج الابتعاث الخارجية في المملكة توسعًا ملحوظًا لتلبية احتياجات الدولة المتزايدة. وبتوجيه من الملك عبدالعزيز، أُرسلت بعثة إلى لندن عام 1348هـ/1929م، ضمت ثلاثة موظفين من بريد مكة المكرمة، بهدف تدريبهم في شركة ماركوني بمدينة تشيلمسفورد في إنجلترا على إنشاء وإدارة شبكات الاتصالات اللاسلكية.
في عام 1354هـ/1935م، تم ابتعاث عشرة طلاب سعوديين إلى إيطاليا لدراسة الطيران، تبعتها أول بعثة إلى سويسرا عام 1355هـ/1936م، ضمت طالبين لدراسة الحقوق والعلوم السياسية. وفي العام نفسه، أُرسلت بعثة لدراسة الهندسة في إسطنبول.
وفي خطوة داعمة لهذه الجهود، أمر الملك عبدالعزيز بتأسيس مدرسة تحضير البعثات عام 1355هـ/1936م، وهي أول مدرسة ثانوية في المملكة، تهدف إلى إعداد الطلاب للالتحاق بالجامعات. ومع اكتشاف النفط، ازدادت البعثات إلى أوروبا والولايات المتحدة.
بدأت الوزارات أيضًا في إرسال موظفيها للتدريب المتخصص، مثل ابتعاث وزارة الدفاع لخريجي مطار الظهران إلى الولايات المتحدة.
كانت مديرية المعارف العامة (وزارة التعليم حاليًا) تعلن عن حاجتها لطلاب من حملة الشهادة التوجيهية لإرسالهم في بعثات إلى أمريكا لدراسة الاتصالات اللاسلكية والأوتوماتيكية، إضافةً إلى إتاحة فرص الابتعاث إلى مصر لطلاب التوجيهية والمعلمين.
تأسيس مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة
بناءً على تقييم المسؤولين في قطاع التعليم لنتائج البعثات السابقة، ومن خلال جمع الملاحظات والاستنتاجات حول الأثر الإيجابي للابتعاث على المستويات الفكرية والعملية والثقافية، ظهرت فكرة إنشاء مدرسة للمرحلة الثانوية لتنظيم عملية الابتعاث.
وبأمر من الملك عبدالعزيز، تأسست مدرسة حكومية حديثة تحت إشراف مديرية المعارف (وزارة التعليم حاليًا)، عُرفت بمدرسة تحضير البعثات. تأسست المدرسة عام 1355هـ/1936م وبدأت العمل في عام 1356هـ/1937م في حي المسفلة بمكة المكرمة، وكانت معنية بتأهيل الطلاب السعوديين في المرحلة الثانوية لمتابعة تعليمهم في الخارج.
كانت مدرسة تحضير البعثات بداية التعليم الثانوي في المملكة، وشملت مناهجها علومًا متنوعة لتأهيل الطلاب للدراسة في الخارج. استغرقت الدراسة في القسم العام أربع سنوات، وخمس سنوات في القسم الخاص. عُرفت لاحقًا باسم مدرسة الملك عبدالعزيز الثانوية، وتقع حاليًا في حي العزيزية.
توجهت الدفعة الأولى من طلاب المدرسة المؤهلين إلى جامعات مصر وغيرها، تبعتها بعثة ثانية إلى مصر ضمت عشرة طلاب لدراسة العلوم الشرعية والعربية وأصول التربية. وفي العام نفسه، أُنشئت إدارة خاصة لرعاية شؤون الطلاب المبتعثين، من خلال مراقبة سلوكهم وتقديم الدعم المعيشي والعلاجي.
سبب تسمية مدرسة تحضير البعثات
سُميت مدرسة تحضير البعثات بهذا الاسم لأن طلابها كانوا من خريجي مدرسة الفلاح والمعهد العلمي السعودي، بهدف إعدادهم للابتعاث وإكمال تعليمهم في الخارج. كانت دراسة هؤلاء الطلاب تعادل خريجي المستويات المتقدمة، لكنهم كانوا بحاجة إلى دراسة مواد علمية ولغات أجنبية.
أهداف مدرسة تحضير البعثات
تبنت المدرسة أهدافًا عدة، منها: تأهيل الطلاب السعوديين للالتحاق بالجامعات في الخارج، واكتساب الخبرات من المجتمعات الأخرى، وتطوير التعليم السعودي، وإصلاح المشكلات التي تواجه الطلاب أثناء ابتعاثهم.
دور مدرسة تحضير البعثات
اهتمت المدرسة بتطوير التعليم في المملكة، وأحدثت تغييرات في المراحل التعليمية بعد الابتدائية، مثل استحداث المرحلتين المتوسطة والثانوية، ودمج المرحلتين التحضيرية والابتدائية، وتقليل سنوات الدراسة فيهما.
مناهج مدرسة تحضير البعثات
اعتمدت المدرسة على مناهج مشابهة للمناهج في مصر، نظرًا للتوجه الكبير للابتعاث إليها. شملت المناهج: اللغة العربية، والتربية الدينية، والتاريخ، والحساب، واللغة الإنجليزية، والعلوم الطبيعية، والجبر والرياضيات.
اشترطت المدرسة شروطًا للقبول، مثل: الجنسية السعودية، والحصول على شهادة من المعهد العلمي السعودي أو إكمال المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، واجتياز المقابلة الشخصية، والالتزام بنظام الابتعاث.
دار البعثات السعودية
أُنشئت أول ملحقية ثقافية في القاهرة والإسكندرية عام 1363هـ/1943م، وسُميت بدار البعثات السعودية، لتهتم بشؤون المبتعثين، وتقديم الدعم المالي والمعيشي.
الابتعاث في السبعينات الميلادية
شهدت فترة السبعينات الميلادية بداية التخطيط الاقتصادي في المملكة، وتوسعت وجهات الابتعاث لتشمل أمريكا وأوروبا، واستُحدث نظام الابتعاث للدراسات العليا، وابتعاث الموظفين والأكاديميين.
برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث
يهدف البرنامج إلى إتاحة الفرصة للطلاب السعوديين لإكمال دراستهم في أفضل الجامعات العالمية، لتحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز البحث والتطوير، وأُطلق في عام 1426هـ/2005م، وكان يهدف إلى ابتعاث 50 ألف طالب وطالبة خلال خمس سنوات.
يخدم البرنامج خطط التنمية في تطوير الموارد البشرية، وشهد تدشين العديد من البرامج والمشروعات، مثل منصة سفير عام 1431هـ/2010م، ومشروع وظيفتك بعثتك عام 1436هـ/2015م.
تولت وكالة الابتعاث بوزارة التعليم الإشراف على البرنامج واقتراح سياساته، وإصدار قرارات الابتعاث ومتابعة الطلاب بالتنسيق مع الملحقيات الثقافية.
تطورت أدوات البرنامج، وشملت مسارات عدة تواكب رؤية السعودية 2030، من بينها مسار التميز للابتعاث الذي يهدف لرفع مستوى التأهيل العلمي للطلاب.
شهد هذا المسار شراكات مع القطاعات الحكومية، مستهدفًا الإسهام في تحقيق التنمية الشاملة من خلال تقديم تخصصات جديدة تدعم قطاعات المملكة الواعدة.
شملت











