الملكة أروى: رائدة الحكم في التاريخ الإسلامي
تاريخياً، لمعت أسماء ملكات تركن بصماتهن في سجلات الحكم، منهن الملكة بلقيس التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، والتي اشتهرت بحكمتها وعدلها في مملكة سبأ. وعلى خطاها، ظهرت في اليمن الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، والتي عرفت بلقيس الصغرى، حيث قادت البلاد لأربعة عقود تميزت بالاستقرار السياسي والقضاء على الفتن والصراعات القبلية.
النشأة والتربية
ولدت الملكة أروى في حصن مسار بجبال حراز، واسمها الكامل أروى بنت أحمد بن محمد بن جعفر الصليحي الإسماعيلية، وتُلقب بالسيدة الحرة، وهي أول ملكة في التاريخ الإسلامي. والدتها هي رداح ابنة الفارع بن موسى، وتنتمي إلى الأسرة الصليحية التي حكمت اليمن في الماضي.
نشأت الملكة أروى في كنف السلطان علي الصليحي في صنعاء، عاصمة الدولة الصليحية، بعد وفاة والديها في حادث انهيار منزلهم. تولت زوجة السلطان رعايتها والاهتمام بها.
الزواج وتولي الحكم
عند بلوغها الثامنة عشرة، تزوجت أروى من ولي العهد الأمير أحمد المكرم، وأنجبت له محمد وعلي، بالإضافة إلى ابنتيها أم الهمذان وفاطمة. بعد مقتل الملك علي الصليحي نتيجة للخلافات القبلية، خلفه الأمير أحمد المكرم في الحكم. واجه المكرم خلال فترة حكمه صراعات مستمرة مع المتمردين على السلطة.
أصيب المكرم في إحدى المعارك إصابة بالغة أدت إلى شلله. لم يجد الملك أفضل من زوجته أروى لتولي شؤون المملكة، لما عرف عنها من حكمة ورجاحة عقل، فأوصاها بالحفاظ على البلاد والاهتمام بشؤون الدولة، وهو الوعد الذي قطعته على نفسها.
صفات الملكة أروى
كانت الملكة أروى تتمتع بجمال وخلق رفيع، تميزت ببشرتها البيضاء المائلة للاحمرار وصوتها القوي. كانت قارئة وكاتبة جيدة، تحفظ الأشعار، وتتميز بذكائها وفطنتها وخبرتها بأحوال الناس، مما ساعدها على النجاح في إدارة البلاد والنهوض بها خلال فترة حكمها.
فترة الحكم والإنجازات
بعد وفاة المكرم، طمع سبأ الصليحي في الحكم، ولكن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله أمر بتولي أروى للحكم حتى بلوغ ابنها الأكبر سن الرشد. وهكذا، استلمت أروى مقاليد الحكم في عام 1098 م.
نقل العاصمة إلى جبلة
أول ما قامت به الملكة أروى هو نقل العاصمة من صنعاء إلى جبلة، وذلك بسبب كثرة النزاعات القبلية والصراعات في صنعاء، وبهذا أمنت نفسها من مكائد الأعداء.
العدل والازدهار
ساد العدل والإخاء في عهد الملكة أروى، حيث حكمت على مبادئ التسامح والإخاء وحرية العبادة، كما ازدهرت البلاد وساد الرخاء الاقتصادي.
أبرز الإنجازات
- بناء جامع السيدة أروى المعروف حالياً في جبلة باليمن.
- المساهمة في بناء جزء من الجامع الكبير في صنعاء.
- بناء المرافق الخدمية وجعل الكثير من الأراضي الزراعية وقفاً للمواشي.
- إيصال مياه الشرب إلى جميع سكان مدينة جبلة عبر شبكة ري تمتد من قمم الجبال إلى البيوت.
- الاهتمام بالعلم والعلماء وتوفير المساكن والرواتب لهم، وتشكيل حلقات للعلم في جامع جبلة.
- تحقيق ثورة زراعية وتجارية نتيجة الاستقرار السياسي الذي جذب القوافل التجارية إلى اليمن من جميع المناطق العربية.
- السماح بتعدد المذاهب وحرية العبادات، مما قلل من النزاعات.
الوفاة ونهاية الدولة الصليحية
عانت الملكة أروى من المرض لفترة طويلة، ثم توفيت عن عمر يناهز التسعين عاماً، ودفنت في ضريح في المسجد الذي سمي باسمها. بعد وفاتها، ضعفت الدولة الصليحية وانتهت تماماً في عام 569 هـ بعد غزو توران شاه لليمن.
و أخيرا وليس آخرا :
تظل الملكة أروى رمزاً للحكمة والعدل في التاريخ الإسلامي، وحكمها يمثل فترة ذهبية من الازدهار والاستقرار في اليمن. فهل يمكن اعتبار تجربتها نموذجاً للحكم الرشيد في عالمنا المعاصر؟











