الطاقة النووية: بين الشمس والمفاعلات على الأرض
الشمس هي المصدر الأساسي للطاقة الذي يدعم الحياة على كوكبنا، وتعتبر أكبر مفاعل نووي نعرفه، فهي توفر الدفء والضوء الضروريين. العلماء يرون فيها مصدراً يمكن أن يمد الأرض بالطاقة لمليارات السنين القادمة.
المفاعلات النووية والشمس: نظرة مقارنة
تعتبر شمسنا نجماً قزماً أصفر يبلغ عمره حوالي 4.6 مليار سنة، وهي عبارة عن كرة متوهجة تتكون أساساً من الهيدروجين والهيليوم، بالإضافة إلى عناصر أخرى بنسب قليلة. تقع الشمس في مركز نظامنا الشمسي على بعد 150 مليون كيلومتر عن الأرض، وهي النجم الوحيد في هذا النظام.
تمتلك الشمس الجزء الأكبر من كتلة المجموعة الشمسية، وجاذبيتها الهائلة تحافظ على ترابط المجموعة. تقوم الشمس بدمج أنوية الهيدروجين لإنتاج الهيليوم، مطلقة كميات هائلة من الطاقة تشع في جميع أنحاء المجموعة الشمسية.
بفضل كتلة الهيدروجين الهائلة التي تملكها، استطاعت الشمس أن تبقى ساطعة طوال مليارات السنين الماضية. ويتوقع العلماء أن تستمر في الوجود لمدة خمسة مليارات سنة أخرى قبل أن تتحول إلى عملاق أحمر، حيث سيتمدد غلافها الخارجي ويبتلع المريخ، مما ينهي أي فرصة للحياة على الأرض.
الطاقة كمقياس للحضارة
اقترح عالم الفلك الروسي نيكولاي كارداشيف مقياساً لتطور الحضارات، يعرف باسم مقياس كارداشيف. يقسم هذا المقياس الحضارات الواعية إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
- حضارات النوع الأول: قادرة على الاستفادة من جميع موارد الطاقة المتاحة على كوكبها الأم.
- حضارات النوع الثاني: تستطيع الاستفادة من كل الطاقات المنبعثة من نجمها المحلي، أي الشمس في حالتنا.
- حضارات النوع الثالث: قادرة على حصد كل طاقات نجوم وكواكب المجرة التي تضمها.
في الوقت الحالي، لم يتمكن البشر بعد من إكمال متطلبات النوع الأول. ويتوقع العلماء أن نصل إلى القدرة على الاستفادة من جميع مصادر الطاقة على كوكب الأرض في غضون 100 إلى 200 عام في المستقبل.
متطلبات الطاقة المتزايدة والطاقة النووية
شهدت البشرية في الآونة الأخيرة توسعاً كبيراً في استخدام الطاقة، خاصة مع ظهور الذكاء الاصطناعي، الذي يتطلب تشغيله كميات هائلة من الطاقة. لذلك، اتجهت العديد من شركات التقنية العملاقة إلى إنشاء مفاعلات نووية صغيرة خاصة بها لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
تعتمد هذه الشركات على الطاقة النووية الانشطارية، الناتجة عن تفتيت الذرات الثقيلة مثل اليورانيوم والبلوتونيوم إلى ذرات أخف، مع إطلاق كميات كبيرة من الطاقة. وعلى الرغم من كثافة الطاقة المنتجة، هناك مخاوف تتعلق بالسلامة، مثل خطر انفجار المفاعلات، كما حدث في حادثة تشيرنوبل.
بالإضافة إلى ذلك، تمثل النفايات المشعة مشكلة أخرى من حيث احتوائها والتخلص منها، وكذلك الحد من التلوث الإشعاعي في حالة وقوع حوادث مثل حادثة فوكوشيما في اليابان.
في هذا السياق، تمثل الطاقة الاندماجية حلاً واعداً للحصول على كثافة طاقة عالية، مع تجنب معظم مشكلات الطاقة النووية الانشطارية التقليدية.
الطاقة النووية الاندماجية: مستقبل الطاقة النظيفة
يمكن للبشر محاكاة العمليات التي تحدث في الشمس للحصول على طاقة اندماجية نظيفة على الأرض، ولكن هذا يتطلب شروطاً معينة. من أهم التحديات تحقيق درجات الحرارة المرتفعة اللازمة لبدء التفاعل الاندماجي، وكذلك صعوبة الحفاظ على الأيونات في محيط التفاعل حتى يتم الاندماج بسلاسة.
لفهم هذه التحديات، يجب أولاً نزع الإلكترونات من الذرة للحصول على أنوية بدون إلكترونات، وهي عملية تسمى التأيين. بعد ذلك، يجب التغلب على حاجز التنافر بين الشحنات الموجبة المتشابهة للأنوية، وهو ما يتطلب الكثير من الطاقة. عندئذ يمكن دمج النويات والحصول على الطاقة النووية الاندماجية.
شمس صغيرة على كوكبنا: سباق نحو الاندماج
تتنافس العديد من الفرق البحثية حول العالم لتحقيق حلم المفاعل النووي الاندماجي الذي ينتج طاقة أكبر مما يستهلك.
في إنجاز جديد، تمكن فريق من منشأة Energy’s National Ignition Facility (NIF) التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية من زيادة إنتاج الطاقة من تفاعل نووي محفز بالليزر، حيث أنتج طاقة تصل إلى 5.2 ميغا جول في البداية، ثم رفعها إلى 8.6 ميغا جول.
هذه النتائج تمثل تحسينات كبيرة مقارنة بالتجربة التاريخية التي أجريت في عام 2022، والتي كانت أول تفاعل اندماجي متحكم به يولد طاقة أكبر مما يستهلكها، حيث أنتجت 3.15 ميغا جول، بزيادة طفيفة مقارنة بـ 2.05 ميغا جول التي سلمتها أشعة الليزر إلى حبيبات الوقود بحجم حبة الخردل.
مازال الطريق طويلًا نحو الطاقة الاندماجية
ما زالت هذه التقنيات في طور التطوير، حيث لم تستطع أي من التجارب حتى الآن توليد ما يكفي من الطاقة للاستخدام في شبكات الكهرباء العمومية، وكذلك لم تستطع أي من التجارب تعويض الطاقة اللازمة لتشغيل منشأة المفاعل الاندماجي بأكملها.
على سبيل المثال، يتطلب توليد نبضة الليزر الأولى المستخدمة في الاندماج 300 ميغا جول لتشغيل نظام الليزر وحده، على الرغم من أن التفاعل ولد طاقة أكبر من المستخدمة لإنتاجه. ومع ذلك، فإن نجاح هذه التجارب يمثل دليلاً مستمراً على أن الاندماج النووي المُتحكّم به هو أكثر من مجرد فرضية.
كيف يتم الاندماج في أكبر المفاعلات النووية
يستخدم مرفق NIF ما يُعرف بالاحتواء باستخدام القصور الذاتي لإنتاج تفاعلات الاندماج.
في هذه المنشأة، يغطى وقود الاندماج بالماس، ثم يُغلّف بأسطوانة ذهبية صغيرة. تُلقى هذه الحبيبة الصغيرة في حجرة تفريغ كروية قطرها 10 أمتار، حيث تتجمع 192 شعاع ليزر قويًا على الهدف.
تتبخر الأسطوانة تحت تأثير الإشعاع، مُصدرةً أشعة سينية تُقصف حبيبات الوقود بداخلها. تتلقى الطبقة الماسية للحبيبات طاقة هائلة، فتتحول إلى بلازما متمددة، تضغط وقود نظائر الهيدروجين، الديوتيريوم والتريتيوم، بداخلها حتى تندمج نواتهما، مُطلقةً طاقة الاندماج النهائية.
تستخدم المنشآت الأخرى للاندماج النووي طريقة الاحتواء المغناطيسي. حيث تستخدم مغناطيسات فائقة التوصيل والقوة لضغط البلازما واحتوائها في مساحة ضيقة بما يكفي لخلق الظروف اللازمة للاندماج. وبينما لم تؤد أي من تجارب الاحتواء المغناطيسي عن نتائج إيجابية صافية، يجرى بناء أو تصميم العديد منها على أمل تحقيق هذا الهدف.
و أخيرا وليس آخرا
في الختام، يبقى تطوير الطاقة النووية الاندماجية تحدياً كبيراً، لكنه يحمل في طياته إمكانات هائلة لتلبية احتياجاتنا المتزايدة من الطاقة بطريقة نظيفة ومستدامة. هل سنتمكن يوماً ما من تسخير قوة الشمس على الأرض؟ هذا ما ستكشفه لنا السنوات القادمة.









