الديوان العام للمحاسبة: حارس المال العام في المملكة
في قلب المملكة العربية السعودية، يقف الديوان العام للمحاسبة كحصن منيع لحماية المال العام. هذا الجهاز الرقابي المستقل، المرتبط مباشرة بالملك، يمثل الذراع الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في الدولة. يتمتع الديوان بشخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري كامل، مما يمكنه من أداء مهامه بكل حيادية وفاعلية.
هيكلة ومهام الديوان
يتكون الديوان العام للمحاسبة من رئيس يُعيّن بأمر ملكي، وهو المسؤول عن تنظيم وإدارة شؤون الديوان. يعاونه في ذلك نائب للرئيس وعدد من الموظفين المتخصصين. تتلخص مهام الديوان في مراقبة جميع أموال الدولة، سواء كانت منقولة أو ثابتة، والتأكد من حسن استخدامها والمحافظة عليها.
النشأة والتطور التاريخي
من ديوان المحاسبات إلى الديوان العام للمحاسبة
تعود نشأة الديوان العام للمحاسبة إلى عام 1345هـ الموافق 1926م، عندما تم تأسيس ديوان المحاسبات بالتزامن مع صدور التعليمات الأساسية، التي تعتبر أول نظام للحكم في المملكة. في عام 1391هـ الموافق 1971م، صدر مرسوم ملكي بالموافقة على نظام ديوان المراقبة العامة (سابقًا). وفي عام 1440هـ الموافق 2019م، صدر أمر ملكي بتعديل اسمه إلى الديوان العام للمحاسبة، ثم صدر مرسوم ملكي آخر في عام 1441هـ الموافق 2019م، بتغيير اسم ديوان المراقبة العامة، الذي استمر لمدة 65 عامًا، إلى الديوان العام للمحاسبة، مع تعديل بعض مواد نظامه.
أهمية التحديث والتطوير
يعكس هذا التطور التاريخي حرص القيادة الرشيدة في المملكة على تطوير الأجهزة الرقابية وتحديثها بما يواكب المستجدات، لضمان حماية المال العام وتعزيز الشفافية والمساءلة.
الأعمال الأساسية للديوان العام للمحاسبة
تتنوع الأعمال الأساسية للديوان العام للمحاسبة وفقًا لاختصاصه النظامي، وتشمل:
- المراجعة المالية والالتزام: مراقبة جميع الأموال، والتحقق من تنفيذ الجهات للأنظمة والقرارات والتعليمات.
- التدقيق في البيانات والسجلات: التأكد من صحة البيانات والحسابات والسجلات المالية والمحاسبية.
- مراجعة العقود: فحص إبرام العقود ومتابعة الالتزام بعقود المشروعات والبرامج المعتمدة في خطط التنمية والميزانية السنوية.
نطاق المراجعة
تتضمن أعمال المراجعة المالية والالتزام التي يجريها الديوان:
- الرقابة على أداء تقنية المعلومات.
- مراجعة الحسابات الحكومية للجهات الحكومية.
- مراجعة العقود والمستندات الحسابية الشهرية للجهات الحكومية.
- مراجعة القوائم المالية للشركات التي تشارك فيها الدولة.
- مراجعة الإيرادات والتفتيش على المستودعات.
- الرقابة على الأداء.
الجهات الخاضعة لرقابة الديوان
يخضع لرقابة الديوان العام للمحاسبة عدد كبير من الجهات العامة والخاصة، ومن بينها:
- الوزارات والإدارات الحكومية وفروعها.
- أي هيئة يكلف الديوان بمراقبة حساباتها بأمر من الملك.
- المؤسسات الخاصة أو الشركات التي تساهم الدولة في رأسمالها أو تضمن لها حدًا أدنى من الأرباح.
- المؤسسات العامة والإدارات الأخرى التي تخصص لها الدولة بعض الأموال وتكون لها ميزانية مستقلة.
- البلديات وإدارات العيون ومصالح المياه.
تنظيم خاص للرقابة على الشركات
تخضع الشركات التي تساهم فيها الدولة لتنظيم رقابي خاص يعده الديوان، ويصدر به أمر ملكي، يحدد مدى هذه الرقابة بما يتناسب مع طبيعة عملها وعلاقتها المالية بالدولة، بحيث لا يعرقل نشاطها.
دور الديوان على الصعيد الدولي
مكانة مرموقة
يتبوأ الديوان العام للمحاسبة مكانة مرموقة على الصعيد الدولي، حيث يشغل منصب النائب الثاني لرئاسة المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة (INTOSAI)، ورئيس لجنة الشؤون المالية والإدارية بها، ورئيس جانب الإنتوساي في اللجنة التوجيهية للتعاون بينها وبين مجتمع المانحين.
رئاسة المنظمة العربية للأجهزة الرقابية
كما يشغل الديوان منصب رئيس المنظمة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (الأرابوساي)، ويتولى رئاستها لمدة ثلاث سنوات منذ عام 2022م حتى 2025م.
لجان الإنتوساي
لم تقتصر مساهمات الديوان على رئاسة مناصب في منظمة الإنتوساي، بل امتدت إلى عضوية عدد من اللجان الخاصة بالجهاز، منها:
- لجنة المعايير المهنية.
- اللجنة الفرعية لرقابة الأداء.
- اللجنة الفرعية لرقابة الالتزام.
- لجنة بناء القدرات.
- لجنة تبادل المعرفة وخدمات المعرفة.
- مجموعة العمل المعنية بالرقابة على البيئة.
- مجموعة العمل المعنية بأهداف التنمية المستدامة والمؤشرات الرئيسة للتنمية المستدامة.
- مجموعة العمل المعنية بالتحديث المالي والإصلاح التنظيمي.
برامج دولية برعاية الديوان
مبادرات تطويرية
يرعى الديوان العام للمحاسبة عددًا من البرامج التطويرية على المستوى الدولي، منها:
- برنامج الرقابة على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة بالتعاون مع مبادرة الإنتوساي للتنمية.
- البرنامج السعودي لتحسين أداء الأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة في الدول النامية.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
الديوان العام للمحاسبة، من خلال تاريخه الممتد وأدواره المتعددة، يمثل حجر الزاوية في الحفاظ على المال العام وضمان استدامته. مساهماته لا تقتصر على المستوى المحلي، بل تتعداه إلى الساحة الدولية، مما يعكس رؤية المملكة في تعزيز الشفافية والمساءلة على نطاق عالمي. فهل سيستمر الديوان في التطور لمواجهة التحديات المستقبلية، وهل ستنجح مبادراته الدولية في تحقيق أهدافها المنشودة؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة للتأمل والتحليل. هذه المقالة بقلم سمير البوشي، بوابة السعودية.










