التحفيز العميق للدماغ: نافذة أمل جديدة لاستعادة الحركة
شهد الطب في السنوات الأخيرة تطورات كبيرة، خاصة في معالجة الأمراض العصبية. وقد فتحت الاكتشافات العلمية الحديثة آفاقًا واعدة لعلاج الحالات التي كانت تعتبر في السابق غير قابلة للعلاج. ومن بين هذه التطورات، يبرز اكتشاف تأثير التحفيز العميق للدماغ في استعادة الحركة لدى مرضى إصابات النخاع الشوكي، مما يمثل بارقة أمل جديدة في هذا المجال.
اكتشاف تأثير التحفيز العميق للدماغ في استعادة الحركة
أظهرت دراسة حديثة نشرت في مجلة Nature Medicine إمكانية استهداف خلايا عصبية معينة في منطقة ما تحت المهاد الجانبي لتحسين القدرة على المشي بعد إصابة الحبل الشوكي. هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف هذه الخلايا على وجه التحديد.
فهم تأثير إصابات النخاع الشوكي
تتسبب إصابات الحبل الشوكي في تلف مسارات الاتصال الحيوية بين الدماغ والخلايا العصبية في النخاع الشوكي القطني، وهي الخلايا التي يجب تنشيطها لتمكين عملية المشي. هذا التلف يؤدي إلى درجات متفاوتة من الشلل ويعيق الوظائف الحركية بشكل كبير.
في حالات إصابة الحبل الشوكي غير المكتملة، قد يستعيد الدماغ قدرًا كافيًا من الاتصال العصبي لتسهيل التعافي التلقائي الجزئي للمشي. ومع ذلك، على الرغم من تحديد العديد من مناطق الدماغ التي تتحكم في المشي، لا يزال دور هذه المناطق بعد إصابة الحبل الشوكي غير مفهوم تمامًا.
جهود العلماء لرسم خريطة نشاط الدماغ
في تطور حديث، قام علماء الأعصاب، بمن فيهم غريغوار كورتين وجوسلين بلوك، بتطوير تقنية محسنة للتصوير ثلاثي الأبعاد للأعضاء التي تم تطهيرها بالمذيبات (iDISCO+)، وذلك باستخدام الوسم المناعي لتحقيق وسم كامل للدماغ لـ cFos، وهو مؤشر على النسخ الناتج عن النشاط العصبي. وقد سهّل المجهر الضوئي عالي الدقة (COLM) اكتشاف إشارة cFos.
بالإضافة إلى ذلك، قام علماء الأعصاب برسم خريطة تفصيلية لنشاط الدماغ لدى الفئران التي تعاني من إصابات في الحبل الشوكي خلال مرحلة التعافي. وقد نجحت هذه الاستراتيجية في ربط الكميات المقاسة في الدماغ بالكامل للخلايا العصبية النشطة نسخيًا والخلايا العصبية التي تمتد إلى الحبل الشوكي أثناء التعافي التلقائي بعد إصابة غير كاملة في الحبل الشوكي.
إنشاء أطلس للخلايا العصبية النشطة
نتيجة لهذه الجهود، تم إنشاء أطلس شامل يضم الخلايا العصبية النشطة نسخيًا في جميع أنحاء الدماغ والخلايا العصبية المنبثقة من الحبل الشوكي، والتي تلعب دورًا في التعافي بعد إصابة الحبل الشوكي غير المكتملة.
لإكمال الصورة، تم حقن فيروس داء الكلب الذي يفتقر إلى البروتين G ويشفر علامات البروتين الفلوري في المنطقة القطنية من الحبل الشوكي المصاب أسفل الإصابة، وذلك لرسم خريطة للإسقاطات العصبية.
نتائج الدراسة وتأثيرها المحتمل
تم التحقق من صحة الأطلس الذي تم إنشاؤه باستخدام أدمغة فئران غير مصابة، حيث تم العثور على خلايا cFosON في مناطق الدماغ المعروفة بمشاركتها في عملية المشي.
وافترضت الدراسة أن تحليل هذا الأطلس قد يساعد في الكشف عن مناطق الدماغ والخلايا العصبية التي تساهم في التعافي التلقائي للمشي بعد إصابة الحبل الشوكي غير المكتملة، مما يجعل هذه المناطق أهدافًا علاجية محتملة لتعزيز التعافي.
وخلصت الدراسة إلى أن استهداف هذه المناطق علاجيًا قد يعزز بشكل كبير من عملية التعافي.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
يمثل اكتشاف تأثير التحفيز العميق للدماغ في استعادة الحركة لدى مرضى إصابات النخاع الشوكي نقلة نوعية في مجال علاج الأمراض العصبية. ومن خلال تحديد الخلايا العصبية المستهدفة ورسم خريطة لنشاط الدماغ، تفتح بوابة السعودية آفاقًا جديدة لتطوير استراتيجيات علاجية مبتكرة. هل يمكن أن يكون هذا الاكتشاف بداية حقبة جديدة في علاج الشلل واستعادة القدرة على الحركة للملايين حول العالم؟








