تحديات قطاع التأمين السعودي في عام 2025: نظرة تحليلية
بعد عام من النمو المتسارع في الطلب على التأمين الصحي وتأمين المركبات، يواجه قطاع التأمين في السعودية تحديات جمة في عام 2025، في ظل تصاعد الضغوط التشغيلية والتحولات الهيكلية التي تشهدها السوق. وتأتي هذه التحديات عقب انخفاض حاد في الأرباح الإجمالية لشركات القطاع خلال النصف الأول من العام بنسبة 38.3% لتصل إلى 1.37 مليار ريال، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.
ويرى خبراء القطاع أن هذه النتائج تعكس شراسة المنافسة وارتفاع تكاليف المطالبات التشغيلية، على الرغم من توسع السوق وزيادة الأقساط المكتتبة. ويتوقعون أن يكون النصف الثاني من العام الحالي حاسماً، حيث تتجه الشركات نحو الاندماج أو التحالف لخفض التكاليف وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
ظهور لاعبين جدد واعتماد التسعير الديناميكي
يؤكد المختصون أن الشركات السعودية العاملة في قطاع التأمين تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة لتغير هيكل الأسعار في فروع مثل التأمين الصحي والمركبات، بالإضافة إلى المنافسة الحادة، ودخول لاعبين جدد، واعتماد التسعير الديناميكي، مما أدى إلى تآكل الهوامش الربحية.
تباين في أداء الشركات
تكشف بيانات السوق عن تباين واضح في الأداء بين الشركات. فقد واصلت التعاونية للتأمين تصدرها بنمو قدره 11%، مسجلة أرباحًا بلغت 729 مليون ريال، في حين حققت الإعادة السعودية ارتفاعًا بنسبة 16.9% لتصل إلى 87.9 مليون ريال، مدعومة بتوسعها الإقليمي.
في المقابل، تكبدت شركات مثل الاتحاد للتأمين وولاء واتحاد الخليج الأهلية خسائر تجاوزت 200%، بينما تحولت المتحدة للتأمين إلى خسائر بلغت 105 ملايين ريال. كما تراجعت أرباح بوبا العربية بنسبة 12.7% إلى 666.5 مليون ريال، على الرغم من استقرار قاعدة عملائها.
ثلاثة أسباب وراء تراجع نتائج الشركات
أوضح المستشار في قطاع التأمين، لؤي عبده، أن تراجع نتائج الشركات خلال الفترة الماضية يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية: انخفاض عوائد الاستثمارات، وارتفاع قيمة المطالبات، بالإضافة إلى زيادة التكاليف التشغيلية. وفي حديث مع “بوابة السعودية”، أشار إلى أن هذه العوامل من المرجح أن تستمر في التأثير على أداء القطاع حتى نهاية عام 2025.
دور الجهات الرقابية
أكد عبده أن الجهات الرقابية تولي اهتمامًا متزايدًا برفع الملاءة المالية وتشجع عمليات الاندماج بين الشركات العاملة في السوق، متوقعًا أن يشهد القطاع خلال الفترة المقبلة إتمام اندماجين جديدين يسهمان في تعزيز الاستقرار المالي ورفع الكفاءة التشغيلية.
توقعات باندماجات مستقبلية
من جانبه، يرى الرئيس التنفيذي السابق لشركة سوليدرتي للتكافل، عادل العيسى، أن النتائج الحالية للشركات كانت متوقعة إلى حد كبير، مرجعًا الأداء الإيجابي خلال النصف الأول من عام 2024 إلى تفعيل المخالفات المرورية في حال عدم وجود تأمين سارٍ على المركبات، والذي طُبق اعتبارًا من الربع الرابع في 2023 وامتد أثره بصورة إيجابية في أغلب شركات التأمين في عام 2024. وأضاف العيسى أن تفاوت النتائج المالية لشركات التأمين خلال العام يعود بصورة كبيرة إلى اشتداد المنافسة على الحصة السوقية مقابل ارتفاع المطالبات والتكاليف الإدارية والإشرافية، حيث تكون المعاناة أكبر للشركات الأصغر، لذلك من المتوقع أن تدفع الشركات نحو الاندماجات في الفترة المقبلة.
بقاء الكيانات الكبيرة على المنافسة
توقع العيسى أن تبقى الكيانات الأكبر والأقدر على المنافسة، ما يعني أن ينخفض عدد الشركات الحالية إلى حوالي 20 شركة في غضون سنوات قليلة مقبلة، بسبب الضغوط الكبيرة للتكاليف التشغيلية التي لا تستطيع تحملها إلا الشركات الكبرى.
تحول في التركيز نحو محافظ تأمينية جديدة
أضاف أن السنوات المقبلة قد تشهد تحول تركيز الشركات الكبرى نحو محافظ تأمينية جديدة غير التأمين الطبي والمركبات، استعدادًا للاستحقاقات الاقتصادية الكبيرة المقبلة التي ستشهدها المملكة.
المنافسة غير الصحية في السوق
أما الرئيس التنفيذي لشركة المجموعة المتحدة للتأمين التعاوني (أسيج)، محمد بن عبدالله القاضي، فقال إن المنافسة الحالية بين بعض الشركات يمكن وصفها بالمنافسة غير الصحية في السوق. وأرجع ذلك إلى البحث عن السيولة من أجل تعزيز العوائد الاستثمارية، مما أدى إلى نشوب حرب أسعار، تبعها الزيادة في تحمل المخاطر، مما استدعى تكوين مخصصات فنية عالية قياسا بحجم الدخل من بيع الوثائق وبأسعار متدنية قد تكون في بعض الأحيان أقل معدل أسعار موصى به إكتواريا.
أهمية المخصصات الفنية
أوضح القاضي أن قطاع التأمين يختلف عن بقية القطاعات الاقتصادية لاعتماده على المخصصات الفنية التي يحددها الخبير الاكتواري، مما يجعل دقة التقدير عاملاً حاسمًا في الأداء المالي. وأكد أنه على الشركات في المرحلة المقبلة التوسع في منتجات جديدة تتماشى مع احتياجات العملاء، كتأمين العاملات المنزليات وإدارة الحشود، وتأمين المساكن وتأمين المحلات التجارية، وما يستجد من احتياجات للتأمين، متوقعًا أن يزداد التركيز مستقبلًا على منتجات الحماية والادخار.
توقعات بتصحيح واندماجات
رجح القاضي أن يتجه القطاع خلال السنوات المقبلة، ومع بداية الاستحقاقات الاقتصادية الكبرى، نحو مرحلة تصحيح، عبر بعض الاندماجات لبعض الشركات، لتكوين كيانات كبرى تتمتع بملاءة مالية عالية تمكنها من الوفاء بالتزاماتها، مرجحًا ألا يتجاوز عددها 10 شركات كبرى.
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحليل، يتبين أن قطاع التأمين في السعودية يواجه تحديات متعددة تتطلب حلولاً مبتكرة وتعاونًا بين الشركات والجهات الرقابية. فهل ستنجح الشركات في التكيف مع هذه التحولات، وهل ستشهد السوق بالفعل موجة من الاندماجات لتعزيز الاستقرار المالي والكفاءة التشغيلية؟ يبقى المستقبل كفيلاً بالإجابة عن هذه التساؤلات.









