الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية: رؤية شاملة للقطاع الإحصائي في المملكة
تُعتبر الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية مبادرة حكومية سعودية طموحة تهدف إلى تطوير القطاع الإحصائي في المملكة العربية السعودية على المدى البعيد. حظيت هذه الاستراتيجية بموافقة مجلس الوزراء في عام 1440هـ (2019م)، وتشرف عليها الهيئة العامة للإحصاء، لتكون بذلك أول استراتيجية وطنية شاملة مخصصة لقطاع الإحصاء في المملكة.
نشأة وتطور قطاع الإحصاء في السعودية
تعود بدايات العمل الإحصائي المنظم في المملكة إلى عام 1349هـ (1930م). وفي عام 1379هـ (1960م)، صدر نظام الإحصاءات العامة، الذي وضع إطارًا إداريًا وتنظيميًا وفنيًا رسميًا لتنظيم هذا القطاع. ساهم هذا النظام في تحديد العلاقة بين الجهاز المركزي للإحصاءات، المتمثل في الهيئة العامة للإحصاء، والقطاعات الأخرى ذات الصلة.
مراحل تطور القطاع
في عام 1416هـ (1995م)، أُلحقت المصلحة العامة للإحصاءات بوزارة الاقتصاد والتخطيط، بعد أن كانت تابعة لوزارة المالية. وشهد القطاع الإحصائي بين عامي 1426هـ (2005م) و 1437هـ (2015م) عدة قرارات مهمة ساهمت في تطويره، منها:
- تحويل المصلحة إلى جهة مسؤولة عن جميع الإحصاءات والمعلومات في المملكة، وتغيير اسمها إلى مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات.
- إلحاق المصلحة تنظيميًا بوزير الاقتصاد والتخطيط.
- صدور قرار بتحويل المصلحة إلى هيئة عامة باسم الهيئة العامة للإحصاء، ثم الموافقة على تنظيم الهيئة.
يتكون قطاع الإحصاء والمعلومات في المملكة من الهيئة العامة للإحصاء، بالإضافة إلى شبكة من المراكز والوحدات الإحصائية داخل الهياكل الإدارية للأجهزة الحكومية، وبعض مؤسسات القطاع الخاص.
إعداد الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية
تم إعداد الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية بالاستناد إلى توصيات الشراكة في الإحصاء من أجل التنمية في القرن الحادي والعشرين، وهي مبادرة تحت مظلة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الدولية. هذه المنظمة هي المسؤولة عن وضع المعايير والمنهجيات للاستراتيجيات الوطنية للتنمية الإحصائية على مستوى العالم. كما استرشدت الاستراتيجية بدليل التنظيم الإحصائي الصادر عن شعبة الإحصاءات بالأمم المتحدة.
أهداف الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية
جاءت الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية استجابة للطلب المتزايد على البيانات والمعلومات الإحصائية في المملكة، خاصة في ظل متطلبات رؤية السعودية 2030. تهدف الاستراتيجية إلى تلبية الاحتياجات المتزايدة في مجال البيانات والمعلومات، وتطوير القطاع الإحصائي ليصبح قطاعًا شاملًا ينتج وينشر معلومات وبيانات إحصائية موثوقة وفي الوقت المناسب، وفقًا للمعايير الدولية في هذا المجال.
الأهداف قصيرة المدى
تسعى الاستراتيجية أيضًا إلى تحقيق عدة أهداف قصيرة المدى، تشمل:
- تلبية الاحتياجات الإحصائية الحالية والمستقبلية لرؤية السعودية 2030 وتحقيق التزامات المملكة على الصعيدين الدولي والإقليمي.
- الانضمام إلى المعيار الخاص لنشر البيانات (SDDS) الذي اعتمده صندوق النقد الدولي.
- تعميم استخدام التقنيات الحديثة في جميع مراحل العمل الإحصائي.
- إشراك مستمر لمستخدمي البيانات والمعلومات في العمل الإحصائي.
- تحقيق المتطلبات الحالية والمستقبلية لعضوية المملكة في مجموعة العشرين (G20).
- تحقيق الربط الإلكتروني بين الهيئة والسجلات الإدارية ذات الأولوية.
- رفع الوعي الإحصائي لدى المجتمع.
- تعزيز الشراكات الاستراتيجية بين الهيئة وجميع مكونات القطاع الإحصائي.
- إرساء ثقافة الإدارة القائمة على تحقيق النتائج.
- إدارة الموارد المالية بكفاءة وفاعلية.
محاور الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية
تعتمد الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية على خمسة محاور استراتيجية متكاملة لتحقيق أهداف القطاع الإحصائي، مع أهداف بعيدة المدى حتى عام 2030م. هذه المحاور الخمسة الأساسية هي:
- محور استخدام البيانات والمعلومات الإحصائية (الطلب).
- محور إنتاج البيانات والمعلومات الإحصائية (العرض).
- محور التقنيات الحديثة.
- محور الاتصال والتوعية.
- محور الحوكمة.
تفصيل المحاور
- يهدف محور استخدام البيانات والمعلومات الإحصائية (الطلب) إلى تحقيق تقدم في استخدام البيانات والمعلومات الإحصائية بشكل صحيح والحفاظ على رضا المستخدمين.
- يسعى محور إنتاج البيانات والمعلومات الإحصائية (العرض) إلى تلبية احتياجات المستخدمين من البيانات والمعلومات الإحصائية سهلة الاستخدام وفي الوقت المناسب، وتعزيز جودة المنتجات والخدمات الإحصائية، وزيادة الاعتماد على السجلات الإدارية كمصدر رئيس للإحصاءات الرسمية.
- يستهدف محور التقنيات الحديثة استخدام التقنيات الحديثة في العمل الإحصائي وتطوير البنية التحتية الرقمية.
- يعمل محور الاتصال والتوعية على تعزيز المعرفة الإحصائية والوعي بأهمية الإحصاء لدى المجتمع وإرساء ثقافة الاتصال والتعاون والشفافية.
- يسعى محور الحوكمة إلى رفع فعالية القطاع الإحصائي وتقليص الفجوة بين مكوناته، وتطوير الموارد البشرية الوطنية، واستقطاب المواطنين أصحاب المهارات المتميزة، وإدارة الموارد المالية بكفاءة.
تُشكِّل مساهمات الفاعلين من مستخدمي البيانات والمعلومات الإحصائية في المملكة ومنتجيها محورًا مهمًّا في الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية.
خطة عمل الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية
تُنفذ الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية على مراحل عدة من خلال خطط عمل تتزامن مع خطط العمل الخمسية لرؤية السعودية 2030. تتمثل مراحل الاستراتيجية في: المرحلة الأولى (2018 – 2020)، والمرحلة الثانية (2021 – 2025)، والمرحلة الثالثة (2026 – 2030).
مراحل التنفيذ
ركزت المرحلة الأولى من الاستراتيجية على تعزيز البرامج والمشاريع والأنشطة الجارية واستكمال تنفيذها، ومنها:
- مشروع قاعدة البيانات الوطنية.
- برنامج تفعيل القطاع الإحصائي.
- مشروع التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت لعام 2020م.
- برنامج مراصد المعلومات الوطنية المتخصصة.
- مشروع بوابة السعودية للإحصاءات الذي تشرف على تنفيذه الهيئة العامة للإحصاء بالتعاون مع جميع مكونات القطاع الإحصائي من إدارات ووحدات إحصائية في الجهات العامة ومنشآت خاصة وجامعات.
ركزت ملامح خطة العمل في المرحلة الثانية على استكمال تنفيذ برنامج تمكين القطاع الإحصائي، ومواصلة تنفيذ برامج التعدادات حسب الدورية المعتمدة دوليًا: التعداد العام للسكان 2022، والتعداد الاقتصادي 2022، والتعداد الصناعي 2024، والتعداد الزراعي 2025، والتركيز على المنتجات الإحصائية لدعم البحث العلمي والأكاديمي، وتطوير النشر الإحصائي، والتوسع في استخدام البيانات الضخمة، واستحداث مسوحات جديدة في مجالات غير مغطاة.
دور الهيئة العامة للإحصاء في الاستراتيجية
تعد الهيئة العامة للإحصاء هيئة حكومية والجهة المسؤولة عن القطاع الإحصائي في المملكة والمرجع الرسمي الوحيد لتنفيذ العمل الإحصائي، والمشرف الفني والمنظم له. تتولى الهيئة تنفيذ العمل الإحصائي في المملكة والإشراف على الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية، وجمع البيانات والمعلومات الإحصائية الشاملة، وإعداد الأدلة والتصنيفات الإحصائية الوطنية وكذلك النشرات والتقارير الإحصائية ونشرها، وإيجاد نظام مركزي وطني للمعلومات في الهيئة يرتبط بالجهات العامة بشكل آلي، والإشراف على تكوين منظومة قواعد بيانات إحصائية وطنية متكاملة وشاملة، بالإضافة لعدة مهام أخرى ترتبط بالقطاع الإحصائي.
وأخيرا وليس آخرا
الاستراتيجية الوطنية للتنمية الإحصائية تمثل رؤية متكاملة لتطوير القطاع الإحصائي في المملكة العربية السعودية، تهدف إلى توفير بيانات دقيقة وموثوقة تدعم عملية التنمية الشاملة. ومع استمرار تنفيذ هذه الاستراتيجية وتطورها، يبقى السؤال مفتوحًا حول كيفية تحقيق التوازن الأمثل بين تلبية الاحتياجات المتزايدة من البيانات وضمان حماية خصوصية المعلومات، وكيف يمكن للتقنيات الحديثة أن تساهم في تعزيز كفاءة العمل الإحصائي وتحقيق أهداف رؤية 2030؟











