بوابات جدة التاريخية: حكاية مدينة عريقة
كانت مدينة جدة القديمة محاطة بسور طيني يضم ثماني بوابات، تُفتح مع الفجر وتُغلق عند العشاء، وذلك لحماية الأحياء التي كانت مُقسمة آنذاك إلى ثلاث حارات رئيسية: حارة الشام في الشمال، وحارة اليمن في الجنوب، وحارة المظلوم الواقعة بينهما. كان لكل حارة “شيخ الحارة”، وهو المسؤول عن الشؤون العامة فيها، بالإضافة إلى كونه همزة الوصل بين السلطة والشرطة وأهالي الحارة.
البوابات الثمان: نافذة على تاريخ جدة
باب المدينة: المدخل الشمالي
يقع باب المدينة في حارة الشام، وكان يُستخدم للوصول إلى القشلة، الثكنة العسكرية التي لا تزال قائمة حتى اليوم. كما كان يُستخدم لمرور العربات المحملة بالحجارة المستخرجة من المناقب شمال جدة، والطين المستخرج من بحر الطين، أو ما يُعرف الآن ببحيرة الأربعين، والذي استُخدم في بناء بيوت جدة في ذلك الوقت.
باب جديد: إضافة حديثة
شُيّد باب جديد في بداية العهد السعودي، وهو آخر البوابات التي بُنيت على السور الذي تداعى عام 1366هـ. يقع في القطاع الشمالي من السور، شرق باب المدينة.
باب مكة: نحو الأسواق الشعبية
يقع باب مكة أمام سوق البدو، ويؤدي إلى أسواق الحراج والحلقات الواقعة خارج السور.
أبواب أخرى: معالم تاريخية
- باب شريف: يقع أمام برحة العقيلي.
- باب النافعة: أول بوابات السور من جهة الغرب، من ناحية الجنوب.
- باب الصبة: ثاني بوابات السور الغربية، المطل على سوق البنط وبرحة مسجد عكاش غربًا. سُمي باب الصبة لأن الحبوب المستوردة كانت تُصب عنده، حيث تُنقى وتوضع في أكياس، ثم تُوزن تمهيدًا لنقلها إلى مستودعات التجار.
جدة: أصل التسمية وعراقة البناء
يُشتق اسم “جدة” من كلمة “جدة” بمعنى والدة الأب أو الأم، وينسب السكان التسمية إلى أم البشر حواء، التي يُقال إنها دُفنت في هذه المدينة بعد نزولها من الجنة. بينما نزل جدنا آدم في الهند، والتقيا عند جبل عرفات، ودُفنت هي في جدة، وتوجد مقبرة معروفة باسم “مقبرة أمنا حواء”.
العمارة القديمة: بصمة تاريخية
تشير الدراسات التاريخية إلى أن بيوت جدة القديمة بُنيت من الحجر المنقى المستخرج من بحيرة الأربعين، والذي كان يُعدل يدويًا. استُخدمت الأخشاب الواردة من المناطق المجاورة كوادي فاطمة، أو المستوردة من الخارج عبر الميناء، خاصة من الهند. كما استُخدم الطين من بحر الطين لتثبيت المنقبة.
تعتمد طريقة البناء على رص الأحجار في مداميك تفصل بينها قواطع من الخشب لتوزيع الأحمال على الحوائط. يشبه المبنى القديم إلى حد كبير المبنى الخرساني الحديث، حيث تمثل الأخشاب الحوائط الخارجية للمنشأ الخرساني لتخفيف الأوزان.
بيوت جدة العريقة: شواهد على الحضارة
من أشهر البيوت القديمة في جدة: بيت آل نصيف وآل جمجوم في حارة اليمن، وآل باعشن وآل قابل وآل باناجة وآل الزاهد في حارة الشام. يبلغ ارتفاع بعض هذه المباني أكثر من 30 مترًا، وظلت بعضها بحالة جيدة بفضل متانتها وطريقة بنائها.
الخصائص المعمارية: لمسة جمالية ووظيفية
تتميز هذه البيوت التاريخية بوجود ملاقف على كافة الغرف، واستُخدمت الرواشين بأحجام كبيرة، بالإضافة إلى الأخشاب المزخرفة في الحوائط، مما ساعد على تحريك الهواء وانتشاره في أرجاء الدار، وإلقاء الظلال على الجدران لتلطيف الحرارة. كانت الدور تُقام بجوار بعضها البعض، وتكون واجهاتها متكسرة لإلقاء الظلال على بعضها.
و أخيرا وليس آخرا
بوابات جدة ليست مجرد مداخل للمدينة، بل هي شواهد حية على تاريخ عريق وحضارة مزدهرة. تعكس هذه البوابات أسلوب الحياة في جدة القديمة، وتذكرنا بأهمية الحفاظ على هذا التراث الثقافي الغني للأجيال القادمة. فهل ستظل هذه المعالم التاريخية مصدر إلهام لنا في الحاضر والمستقبل؟









