الشيخ عبدالباري الثبيتي: مسيرة علمية وروحية في خدمة الحرمين الشريفين
تزخر سجلات التاريخ الإسلامي المعاصر بشخصيات تركت بصمات واضحة في خدمة العلوم الشرعية وإمامة المسلمين، ومن بين هذه الشخصيات المضيئة يأتي اسم فضيلة الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي. فمسيرته لا تمثل مجرد سيرة ذاتية لإمام وخطيب، بل هي رحلة متكاملة من التحصيل العلمي الدؤوب والخدمة الجليلة في أقدس بقاع الأرض، المسجد الحرام والمسجد النبوي. لقد امتزجت حياته بالقرآن الكريم تدريسًا وتحفيظًا وإمامة، وتكللت جهوده بالتدريس الأكاديمي والقيادة الإدارية في العديد من المؤسسات الخيرية والتعليمية بالمملكة، مما يبرز الأثر العميق الذي يمكن أن يحدثه العلم والتقوى في بناء المجتمعات وخدمة الدين.
نشأة الشيخ عبدالباري الثبيتي: جذور مكية وعشق قرآني
ولد الشيخ عبدالباري الثبيتي عام 1380هـ الموافق 1961م في مكة المكرمة، مهد الإسلام ومهبط الوحي، وفي رحاب هذه المدينة المباركة ترعرع وشبّ. بدأ مسيرته التعليمية مبكرًا، حيث غرس فيه حب القرآن الكريم منذ صغره، ووفق لفضله في حفظ كتاب الله في سنوات عمره الأولى. هذه البداية المبكرة مع القرآن لم تكن مجرد إنجاز شخصي، بل كانت الأساس المتين الذي بُنيت عليه شخصيته العلمية والدعوية.
مراحل التعليم الشرعي المبكر
في عام 1389هـ (1969م)، التحق الشيخ الثبيتي بمعهد دار الأرقم بن أبي الأرقم، الذي كان يقع في رحاب المسجد الحرام. كان هذا المعهد بمثابة المحطة الأولى في رحلته نحو تعميق فهمه للعلوم الشرعية، مما منحه في سن التاسعة فقط القدرة على تدريس وتحفيظ القرآن الكريم لطلبة آخرين. هذه التجربة المبكرة عكست موهبة فذة ونضوجًا علميًا تجاوز سنوات عمره، ورسخت مكانته كمعلم للقرآن.
واصل الشيخ الثبيتي رحلته مع القرآن الكريم مدرسًا ومحفظًا لمدة ست سنوات، متوازيًا مع استمراره في تحصيله العلمي. وعند بلوغه الخامسة عشرة، نال ثقة وزارة الحج والأوقاف (وزارة الحج والعمرة حاليًا) بتعيينه إمامًا لأحد مساجد مكة المكرمة. ولم تتوقف طموحاته عند هذا الحد، ففي عام 1397هـ (1977م)، ابتعث إلى بريطانيا من قبل جماعة تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة، حيث أتيحت له فرصة إمامة المصلين في صلاة التراويح بأحد المراكز الإسلامية هناك وهو في السابعة عشرة من عمره، ما يؤكد علو كعبه وصوته الشجي.
الخبرات العلمية والتحصيل الأكاديمي
تعد المسيرة التعليمية والأكاديمية للشيخ عبدالباري الثبيتي نموذجًا للتفوق والاجتهاد. فقد أتم دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس مكة المكرمة، وشهدت هذه الفترة بداية بروز نجمه في المسابقات القرآنية.
الإنجازات القرآنية المبكرة
شارك الشيخ الثبيتي في مسابقة تحفيظ القرآن الكريم المحلية، محرزًا المركز الأول على مستوى المملكة العربية السعودية، وهو إنجاز يبرهن على تمكنه المبكر من حفظ وتجويد كتاب الله. وفي عام 1399هـ (1979م)، حقق إنجازًا دوليًا بحصده المركز الأول في المسابقة الدولية لتحفيظ القرآن وتجويده التي أقيمت في مكة المكرمة. هذه الجوائز لم تكن مجرد تكريم، بل كانت شهادة على تفوقه البارز في المجال القرآني.
مسيرته الأكاديمية
انتقل الشيخ الثبيتي بعدها إلى مرحلة التعليم الجامعي، حيث التحق بجامعة الملك عبدالعزيز وحصل منها على درجة البكالوريوس في العلوم عام 1404هـ (1984م). لم يكتفِ بذلك، بل واصل تحصيله العلمي لينال الدبلوم العالي في الشريعة من جامعة أم القرى عام 1409هـ (1989م). ثم استكمل دراسته العليا في الجامعة نفسها، وحصل على درجة الماجستير في الشريعة عام 1415هـ (1994م). وبعد ذلك، التحق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ليختتم مسيرته الأكاديمية بنيل درجة الدكتوراه في الفقه عام 1422هـ (2001م)، مما جعله مرجعًا علميًا في الفقه والعلوم الشرعية.
الإمامة والخطابة في المسجد النبوي الشريف
توجت مسيرة الشيخ عبدالباري الثبيتي بالإمامة والخطابة في المسجد النبوي الشريف، وهو شرف عظيم ومسؤولية جسيمة. فقبل تعيينه في المسجد النبوي، اختير إمامًا للمسجد الحرام عام 1410هـ (1990م)، حيث أمّ المصلين في صلاتي التراويح والقيام، مؤديًا بذلك رسالة عظيمة في أقدس بقاع الأرض.
مسيرته في قطاع التعليم والإدارة
قضى الشيخ الثبيتي سنوات عديدة في قطاع التعليم والإدارة قبل أن يستقر في الإمامة بالمسجد النبوي. فقد عُيِّن معلمًا ثم وكيلًا في مدرسة النهروان الثانوية بجدة عام 1411هـ (1991م). بعدها انتقل إلى ثانوية ومتوسطة تحفيظ القرآن الكريم في المدينة نفسها، حيث تولى منصب المدير عام 1412هـ (1992م). وبعد عامين، صدر قرار بتعيينه محاضرًا في كلية إعداد المعلمين بالمدينة المنورة.
وفي عام 1414هـ (1993م)، صدرت الموافقة السامية على تعيينه إمامًا وخطيبًا للمسجد النبوي الشريف، ليصبح أحد الأصوات القرآنية والخطابية البارزة التي تصدح من منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد حصوله على درجة الدكتوراه، عُيِّن أستاذًا مشاركًا في معهد الأئمة والخطباء بجامعة طيبة بالمدينة المنورة، ليجمع بذلك بين التدريس الجامعي والإمامة.
المهام الوظيفية والمشاركات المجتمعية
لم تقتصر جهود الشيخ عبدالباري الثبيتي على الإمامة والتدريس، بل امتدت لتشمل العديد من المهام الوظيفية والمشاركات المجتمعية البارزة في المدينة المنورة وخارجها، مما يعكس دوره الفاعل في خدمة المجتمع.
مناصب قيادية وخيرية
يشغل الشيخ الثبيتي عضوية ورئاسة اللجنة التنفيذية بمجلس أمناء وقف الملك عبدالله بن عبدالعزيز لوالديه، وهو دور حيوي في إدارة هذا الوقف الخيري الكبير. كما أشرف سابقًا على القرية النموذجية لرعاية الأيتام خلال الأعوام 1432-1434هـ (2011-2013م)، مما يبرز اهتمامه بفئة الأيتام ورعايتهم.
ويتولى الشيخ الثبيتي أيضًا منصب الأمين العام للجمعية الخيرية للخدمات الاجتماعية، والأمين العام لمجلس التنسيق بين الجمعيات الخيرية في منطقة المدينة المنورة، مما يعكس دوره المحوري في تنظيم العمل الخيري وتوحيد جهوده. كما يرأس مجلس إدارة الجمعية الخيرية للزواج ورعاية الأسرة المعروفة بـ “جمعية أسرتي”، مساهمًا في تعزيز الاستقرار الأسري. وإلى جانب كل ذلك، يشغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة الجامعة العالمية الماليزية ورئيس اللجنة التنفيذية فيها، مما يوسع نطاق تأثيره ليشمل المجال الأكاديمي الدولي.
وأخيرًا وليس آخرًا
تُعد مسيرة فضيلة الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي أنموذجًا يحتذى به في الجمع بين العلم الشرعي العميق، والتحصيل الأكاديمي المرموق، والخدمة المجتمعية الفاعلة، والإمامة في أطهر بقاع الأرض. فقد أثبت أن خدمة الدين لا تقتصر على جانب واحد، بل تتعدد أوجهها لتشمل التعليم، والإمامة، والإدارة، والعمل الخيري.
إن تجربة الشيخ الثبيتي تذكرنا بأن العزيمة والإخلاص يمكن أن تصنع قادة وملهمين يضيئون دروب الأجيال. فما الأثر الذي يمكن لشخصية واحدة أن تحدثه في مجتمعها، وكيف يمكن للشباب اليوم أن يستلهموا من هذه المسيرة الحافلة لتحقيق أهداف سامية تخدم وطنهم وأمتهم؟ إنها دعوة للتأمل في قوة العمل المتواصل والعطاء غير المحدود.







