العلاقات السعودية الكويتية: تاريخ متجذر ومستقبل واعد
تُعد العلاقات السعودية الكويتية مثالاً فريداً للروابط الأخوية الراسخة في المنطقة. تتجاوز هذه العلاقة الأطر الدبلوماسية المعتادة لتمتد إلى وشائج تاريخية وثقافية واجتماعية عميقة. بدأت هذه الصلات منذ عام 1311هـ/1893م، أي قبل عقود من توحيد المملكة العربية السعودية. لقد قامت السياسة الخارجية السعودية، منذ تأسيسها، على مبادئ ثابتة تهدف إلى تعزيز المصالح المشتركة وتوسيع التعاون مع جميع الدول، وفي مقدمتها دولة الكويت الشقيقة. هذا ما أرسى أسس شراكة استراتيجية صمدت أمام التحديات وشهدت تطورات نوعية عبر الزمن.
الجذور التاريخية للروابط الأخوية
تمتد جذور العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت عميقاً في التاريخ، وذلك قبل تشكيل مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ترسخت هذه العلاقة الاستثنائية عندما أقام الإمام عبدالرحمن الفيصل آل سعود وعائلته، بمن فيهم نجله الملك عبدالعزيز، في الكويت عام 1311هـ/1893م. هذه الفترة سبقت استعادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود لمدينة الرياض في عام 1319هـ/1902م، وشكلت نقطة انطلاق لصلة تتسم بالود والتفاهم المتبادل.
زيارات ملكية وتحديد الحدود
شهدت الكويت زيارات تاريخية للملك عبدالعزيز آل سعود، حيث زارها في صفر 1328هـ/فبراير 1910م، ومحرم 1335هـ/نوفمبر 1916م، وذي القعدة 1354هـ/يناير 1936م. لم تكن هذه الزيارات مجرد لقاءات شكلية، بل أثمرت عن توقيع اتفاقيات دولية مهمة. كان أبرزها اتفاقية العقير الموقعة مع الكويت في 13 ربيع الآخر 1341هـ/2 ديسمبر 1922م. هذه الاتفاقية حددت الحدود بين البلدين وأنشأت منطقة محايدة، مما يعكس رغبة القيادتين في إرساء دعائم الاستقرار والتعاون المشترك.
تواصل تعزيز العلاقات السعودية الكويتية لاحقاً، ففي 4 ربيع الآخر 1361هـ/20 أبريل 1942م، جرى توقيع اتفاقية شاملة. هدفت هذه الاتفاقية إلى تنظيم الأطر السياسية والاقتصادية والأمنية بين البلدين. هذا التراكم من الاتفاقيات والزيارات أوجد بنية قوية للعلاقات، تجاوزت مجرد الجوار الجغرافي لتصبح شراكة استراتيجية حقيقية ومستمرة.
دعم الاستقلال وانضمام الكويت للجامعة العربية
برز الدعم السعودي للكويت بشكل واضح عند استقلالها في محرم 1381هـ/يونيو 1961م. بادر الملك سعود بن عبدالعزيز إلى إقامة أول تمثيل دبلوماسي لتعزيز استقلال الكويت وسيادتها، وكان سفير المملكة العربية السعودية هو أول من قدم أوراق اعتماده بين السفراء في دولة الكويت. لم يقتصر الدعم على ذلك، بل أسهمت المملكة بفعالية في مساندة انضمام الكويت إلى جامعة الدول العربية. أكدت المملكة بذلك التزامها بمبادئ الأخوة العربية ودعم الدول الشقيقة في مسيرتها نحو السيادة والاندماج الإقليمي.
الأهمية الاستراتيجية للعلاقات السعودية الكويتية
تُقدم العلاقة الوثيقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ضماناً قوياً للأمن القومي الخليجي والعربي. يعود هذا إلى التوافق الكبير في وجهات النظر بين البلدين حيال قضايا المنطقة المتعددة، والتعاون الفعال في مواجهة التحديات المشتركة. تجلت مواقفهما المتطابقة تجاه القضايا العربية الحيوية، مثل مكافحة الإرهاب والتطرف بجميع أشكاله، وتطورات الصراعات الإقليمية، وكذلك التصدي لنشاطات المنظمات الإرهابية في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
تُعد السعودية والكويت حليفتين استراتيجيتين بكل المقاييس. أسهمت هذه العلاقة في تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويلعب البلدان دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك المنظومة واستقرارها. تبرز أدوار قيادية مهمة للبلدين في الحفاظ على السلام بمنطقة الشرق الأوسط والعالم، ومكافحة الإرهاب والقوى الداعمة له. كما أنهما جزء أساسي من التحالف العربي الذي تشكل استجابة لطلب الحكومة الشرعية اليمنية، مما يؤكد عمق التنسيق الأمني والعسكري بينهما.
الدور السعودي في مواجهة الغزو العراقي للكويت
يمثل عام 1990م نقطة تحول مفصلية في تاريخ العلاقات السعودية الكويتية. ففي 11 محرم 1411هـ/2 أغسطس 1990م، اتخذت القيادة السعودية، بقيادة الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، قراراً تاريخياً لمواجهة الغزو العراقي لدولة الكويت. لم تتردد المملكة في قيادة تأسيس تحالف دولي واسع النطاق بهدف رد العدوان. هذا التحالف تكلل بتحرير الكويت في شعبان 1411هـ/فبراير 1991م، بعد غزو استمر نحو سبعة أشهر مؤلمة.
خلال تلك الفترة العصيبة، اتخذت الحكومة الشرعية الكويتية، بقيادة الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح رحمه الله، من مدينة الطائف مقراً لها في المملكة العربية السعودية. في مشهد يعكس أسمى معاني الأخوة، فتح السعوديون منازلهم لاستقبال الأشقاء الكويتيين النازحين إلى المملكة، وقدموا لهم كل أشكال الدعم والرعاية. في تلك الحقبة، اشتهرت عبارة الملك فهد رحمه الله، التي عكست عمق العلاقة وتساوي المصير: “الحياة والموت تساوت عندنا بعد احتلال الكويت، ولم يعد هناك كويت أو سعودية، بل بلد واحد، إمّا أن نعيش معاً أو أن ننتهي معاً، إمّا أن تبقى الكويت والسعودية أو أن تنتهي الكويت والسعودية”. تلخص هذه الكلمات الخالدة جوهر العلاقات السعودية الكويتية وتؤكد على وحدانية المصير المشترك.
التطور المستمر في العلاقات السعودية الكويتية
على مدار تاريخ العلاقات السعودية الكويتية، شهدت المملكة ودولة الكويت تطوراً ونمواً مستمرين في مجالات متعددة. تجلى ذلك بوضوح عندما وافق مجلس الوزراء السعودي في جلسته المنعقدة في ذي القعدة 1439هـ/يوليو 2018م على محضر إنشاء مجلس التنسيق السعودي الكويتي. هذا المحضر، الذي جرى التوقيع عليه بعد 24 ساعة فقط في اجتماع عُقد بالكويت، يهدف إلى دعم العمل الثنائي وتعزيز التعاون المشترك في شتى الميادين.
حظيت العلاقات بدعم متواصل من قيادتي البلدين. عززت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لدولة الكويت في محرم 1440هـ/سبتمبر 2018م، هذه العلاقات بشكل كبير. أسهمت الزيارة في ترسيخ عمق الروابط التاريخية الوثيقة. تلتها زيارة أخرى لسموه في جمادى الأولى 1443هـ/ديسمبر 2021م، استمراراً لهذا النهج الداعم.
واتساقاً مع العلاقات المتميزة، أسفرت الجهود الكبيرة لسمو الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز عن توقيع المملكة مع الكويت في 27 ربيع الآخر 1441هـ/24 ديسمبر 2019م اتفاقية ملحقة باتفاقيتي تقسيم المنطقة المقسومة والمنطقة المغمورة المحاذية لها. كما تم توقيع مذكرة تفاهم تتعلق بإجراءات استئناف الإنتاج النفطي في الجانبين. أسهم ذلك في حل ملف المنطقة المقسومة بشكل حاسم ونهائي، وأعاد الإنتاج لتحقيق عوائد اقتصادية كبيرة للبلدين الشقيقين.
وتأكيداً للروابط التاريخية وتعزيزاً للعلاقات الثنائية والشراكة الاستراتيجية، قام صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، بزيارة رسمية للمملكة في عام 1445هـ/2024م. كانت هذه الزيارة هي الأولى لسموه خارج الكويت منذ توليه الإمارة، مما يؤكد الأهمية الكبرى التي توليها القيادتان للعلاقات الثنائية.
العلاقات الاقتصادية: شراكة استراتيجية وتكامل متصاعد
تُعد الكويت من أهم الشركاء التجاريين للمملكة العربية السعودية، على صعيد المنطقة العربية والخليج بشكل خاص. منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في رجب 1401هـ/مايو 1981م، وقع البلدان أكثر من اتفاقية خليجية مشتركة. من أبرز هذه الاتفاقيات، اتفاقية بشأن مشروع الربط السككي والاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول مجلس التعاون، التي أسست لبيئة اقتصادية متكاملة.
تلا ذلك إنشاء مؤسسة الخليج للاستثمار في محرم 1404هـ/أكتوبر 1983م، إلى جانب مشاريع سعودية كويتية مشتركة كبيرة أسهمت في تعزيز النمو الاقتصادي للبلدين. وفي إطار حرص السعودية والكويت على رفع مستوى التبادل التجاري، شهد حجم التبادل التجاري بين البلدين نمواً ملحوظاً خلال الفترة 2010 – 2019، ليصل إلى 82.344 مليار ريال.
بلغ حجم التبادل التجاري 6.993 مليارات ريال خلال عام 2021م، حيث بلغت قيمة الصادرات 5.384 مليارات ريال، بينما بلغت قيمة الواردات 1.609 مليار ريال. تصاعد حجم التبادل التجاري ليقارب 11 مليار ريال في عام 2022م، مما يعكس حيوية هذه الشراكة المتنامية بين البلدين.
تعمل السعودية والكويت بشكل حثيث على تعزيز التعاون في مجالات حيوية متعددة، وتشمل:
- كفاءة الطاقة وترشيد استهلاكها، وتنمية القدرات في هذا القطاع.
- الكهرباء والطاقة المتجددة، وتبادل الطاقة الكهربائية عبر الربط الكهربائي، وتطوير سلاسل الإمداد واستدامتها لقطاعات الطاقة.
- حماية البيئة البحرية، وتعزيز التبادل التجاري في هذا المجال.
- الاتصالات والتقنية والاقتصاد الرقمي، بما في ذلك الابتكار والفضاء.
- القضاء والعدل، وتبادل الخبرات القانونية.
- النقل الجوي والبري والسككي والموانئ والخدمات اللوجستية والطيران المدني.
- الثقافة، عبر إقامة الأنشطة والفعاليات والندوات الثقافية المشتركة.
- السياحة، وتعزيز العمل المشترك لبناء القدرات السياحية وتنمية الحركة السياحية في البلدين والمنطقة.
- الرياضة، وتعزيز الشراكات في البرامج والأنشطة الرياضية.
- التعليم العالي والبحث العلمي، وتشجيع العلاقات العلمية والتعليمية المباشرة بين الجامعات ومؤسسات البحث العلمي.
- الإعلام، وتعزيز الشراكة في جهود التصدي للمعلومات المضللة ورفع موثوقية المحتوى الإعلامي.
- الصحة، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الصحية وشركات القطاع الخاص.
- المالية، وتبادل الخبرات والتجارب في تنفيذ الإصلاحات المالية وتنويع مصادر الدخل وتعزيز كفاءة وشفافية المالية العامة.
وأخيراً وليس آخراً: شراكة متجددة نحو آفاق أرحب
لقد أثبتت العلاقات السعودية الكويتية على مر العقود أنها ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل هي امتداد طبيعي لوشائج أخوية وتاريخية عميقة، صقلتها تحديات الماضي وعززتها رؤى المستقبل المشترك. من لحظات التأسيس التاريخية، مروراً بالمواقف الحاسمة التي وحدت المصير في أشد الأوقات صعوبة، وصولاً إلى الشراكات الاقتصادية المتنامية والتعاون الشامل في مختلف المجالات، يظهر جلياً أن هذه العلاقات هي تجسيد حقيقي لوحدة الكلمة والصف. إن مسار هذه العلاقات يشير إلى مستقبل واعد يرتكز على التكامل والتعاون المستمر، مدفوعاً بإرادة قوية من القيادتين والشعبين لتحقيق مزيد من الازدهار والاستقرار للمنطقة. فهل ستظل هذه الشراكة المتجذرة منارة للاستقرار والتنمية في الخليج العربي، وربما نموذجاً يحتذى به في التعاون الإقليمي والدولي؟











