معرض سعودي فود 2023: نافذة على مستقبل الأمن الغذائي والاستثمار
شهدت المملكة العربية السعودية في الثالث من ذي الحجة 1444هـ، الموافق 21 يونيو 2023م، حدثًا اقتصاديًا بارزًا جسّد تطلعاتها نحو تعزيز أمنها الغذائي وتوطين الصناعات الحيوية. ففي مركز الرياض الدولي للمؤتمرات والمعارض، انطلقت النسخة الأولى من معرض سعودي فود 2023، المعرض المتخصص في الضيافة، الأغذية والمشروبات. لم يكن هذا المعرض مجرد تجمّع للشركات، بل منصة استراتيجية عكست الديناميكية المتسارعة للقطاع الغذائي في المملكة، وأشارت إلى رؤية استثمارية عميقة تتجاوز مجرد الاستهلاك لتصل إلى الإنتاج والتصدير، في سياق جهود المملكة لتعزيز استقلالها الاقتصادي وتنوع مصادر دخلها.
شراكات استراتيجية وتجمع عالمي
أقيم معرض سعودي فود 2023 على مساحة شاسعة بلغت نحو 20 ألف متر مربع، في شراكة استراتيجية مهمة بين الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية “مدن” وشركة كون إنترناشيونال، وهي الشركة المعروفة بتنظيم معرض جلفود العالمي. هذه الشراكة لم تكن مصادفة، بل عكست التوجه نحو استقطاب الخبرات العالمية وتوطينها، والاستفادة من النماذج الناجحة لتنظيم فعاليات تليق بمكانة المملكة كمركز اقتصادي إقليمي. لقد وفّر المعرض بيئة مثالية لتبادل الخبرات وعقد الصفقات، مؤكدًا على الرغبة في بناء قطاع غذائي مستدام ومرن.
الحضور الدولي والمحلي في صدارة الحدث
استهدف معرض سعودي فود 2023 نطاقًا واسعًا من القطاعات الحيوية، شمل الإنتاج الغذائي والمشروبات، الضيافة، معدات التعبئة والتغليف، والمواد الأساسية في الصناعات الغذائية. وقد استقطبت هذه النسخة الافتتاحية حضورًا دوليًا ومحليًا لافتًا، حيث شارك فيه أكثر من 500 شركة عارضة تمثل 100 دولة حول العالم. هذه الشركات مثّلت علامات تجارية عالمية مرموقة في قطاع الأغذية والمشروبات، مما أضفى على المعرض طابعًا كونيًا فريدًا.
إلى جانب العارضين، شهد المعرض مشاركة وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى، وقادة تنفيذيين، ومستثمرين، ومتخصصين في الصناعات الغذائية. لم يقتصر دورهم على الحضور، بل ساهموا بفاعلية في جلسات حوارية معمقة وورش عمل تفاعلية وفعاليات مصاحبة. هذه التجمعات الفكرية كانت حاسمة في مناقشة التحديات والفرص، ورسم ملامح مستقبل الصناعة الغذائية على المستويين المحلي والدولي.
“مدن” ودورها المحوري في تعزيز الصناعات الغذائية
كانت مشاركة الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية “مدن” في معرض سعودي فود 2023 ذات أهمية بالغة. استعرضت “مدن” خلال المعرض مجموعة من منتجاتها وخدماتها الممكنة التي تدعم وتسهل قطاع الصناعات الغذائية. هدفت هذه المشاركة إلى تسليط الضوء على التقدم الكبير الذي أحرزته المملكة في 12 نشاطًا غذائيًا حيويًا، وإبراز فرص الجذب الاستثماري الهائلة المتاحة.
فرص استثمارية واعدة ورؤية مستقبلية
تستهدف المملكة مشاريع في قطاع الصناعات الغذائية بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2035م. هذا الطموح يتجلى بشكل خاص في قطاعات حيوية مثل الدواجن، المخبوزات والحلويات، الألبان ومشتقاتها، والمشروبات والعصائر. عرضت “مدن” كذلك الحلول التمويلية واللوجستية التي تقدمها لتسهيل ممارسة الأعمال ودعم تنافسية بيئة الاستثمار. كما سلطت الضوء على المحفزات والمزايا النسبية المتوفرة في 36 مدينة صناعية تابعة لها، والتي تساهم بشكل مباشر في زيادة قيمة الصادرات الغذائية للمملكة لتصل إلى 10.9 مليارات دولار. هذا يعكس التوجه الاستراتيجي نحو تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال بناء قدرات صناعية وتصديرية قوية في قطاعات غير نفطية.
عقود استثمارية تعزز النمو
لم يقتصر معرض سعودي فود 2023 على كونه منصة للعرض والنقاش، بل كان محطة لتحقيق إنجازات استثمارية ملموسة. فقد وقعت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية “مدن” سبعة عقود استثمار صناعي خلال فعاليات المعرض. بموجب هذه العقود، تم تخصيص مساحة إجمالية تبلغ 99,400 متر مربع في قطاع الأغذية والمشروبات، باستثمارات وطنية وأجنبية مشتركة تصل قيمتها إلى 232.3 مليون ريال سعودي.
إضافة إلى ذلك، تم توقيع اتفاقيتين لتيسير الحلول التمويلية ودعم وتمكين ريادة الأعمال، مما يؤكد على البيئة المحفزة للاستثمار والابتكار في المملكة. وشهد عام 2023م ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد المصانع الغذائية، لتتجاوز 1200 مصنع، وهو ما يمثل 22% من إجمالي الاستثمارات المستقطبة في المدن الصناعية. هذه الأرقام لا تعكس مجرد نمو كمي، بل تشير إلى تحول نوعي في بنية الاقتصاد السعودي نحو المزيد من التصنيع والتوطين.
و أخيرًا وليس آخراً
لقد جسّد معرض سعودي فود 2023 في نسخته الأولى نقطة تحول مفصلية في مسيرة القطاع الغذائي بالمملكة العربية السعودية. فمن خلال استقطاب الخبرات العالمية، وتوفير منصة للتفاعل الاستراتيجي، وتوقيع عقود استثمارية ضخمة، أثبت المعرض أن المملكة ليست مجرد سوق استهلاكي كبير، بل مركزًا واعدًا للإنتاج والتصنيع الغذائي. هذا الحدث يعكس بوضوح الإرادة السياسية والاقتصادية لدفع عجلة التنمية وتنويع مصادر الدخل، بما يتماشى مع رؤية 2030 الطموحة. فهل يمكننا أن نتوقع أن يصبح هذا المعرض رافدًا رئيسيًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي للمملكة والمنطقة على المدى الطويل؟











