أربعون عامًا من الإعداد: رحلة النبوة
أربعون عامًا كانت بمثابة تهيئة للعظيم، إيذانًا ببدء تغيير جذري ينتشل العالم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور التوحيد والعلم. خلال هذه الفترة، تداخلت الأفراح والأتراح، الآمال والآلام، {وكان الله عليماً حكيماً}. هذه الأربعون سنة بدأت بـ:
ولادة يتيمة
فقد النبي صلى الله عليه وسلم والده قبل أن يولد، حيث توفي الوالد أثناء سعيه لكسب الرزق في يثرب، ودُفن هناك. تركت هذه الخسارة الأم تواجه آلام الوضع والفقد ومستقبل طفل يتيم قبل ولادته. ثم جاءت لحظة الولادة لتستقبل الدنيا:
مولد محمد صلى الله عليه وسلم
ولد سيد المرسلين في شعب بني هاشم، صباح يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول، في العام الأول من حادثة الفيل، أي قبل هجرته بثلاث وخمسين سنة، الموافق للعشرين أو الثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571 ميلادية، كما ذكر بعض المحققين. في مكان آخر، بعيدًا عن ذلك البيت المتواضع، كان هناك رجل يتأمل السماء والنجوم، ولاحظ تغيراً غير معهود، فصرخ في قومه: “يا معشر اليهود! طلع نجم أحمد الذي وُلد به في هذه الليلة.” نعم، لقد وُلد أحمد، وبين أحضان أمه ترضعه، وتشاركها في ذلك أم أيمن وثويبة مولاة أبي لهب.
في ديار بني سعد
انتقل الرضيع مع أمه حليمة السعدية لترضعه في مضارب بني سعد بن بكر، جريًا على عادة العرب في التماس المراضع لأبنائهم لتقوية أجسامهم وإتقان اللغة العربية. هناك نشأ محمد الصغير، خطا خطواته الأولى، وضحك ولعب مع أقرانه. يا له من براءة وجمال كانا يشعان من عيني ذلك الطفل الطاهر! وفي تلك المضارب، رعى الغنم مع إخوته من الرضاع.
شق الصدر
بينما كان يلعب مع الغلمان، صُرع وأُضجع من رجلين عليهما ثياب بيض، استخرجا منه علقة سوداء وألقياها، ثم غسلا قلبه في طست من ذهب بماء زمزم، وأعاداه إلى مكانه. يقول أنس رضي الله عنه: “وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.” خافت حليمة على الصغير، وقررت إعادته إلى أمه الحنون.
العودة إلى الأم الحنون
عاد الصغير إلى حضن أمه لترعاه وتحنو عليه حتى بلغ ست سنين، فاشتاقت آمنة لزيارة قبر زوجها وأهلها في يثرب، وسافرت إليهم. مكثت شهرًا في يثرب، ثم حان وقت الرجوع. في طريق العودة، توقفت الركائب في مكان يحمل ذكرى عالقة بذاكرة الحبيب، مكان يُدعى الأبواء، حيث توفيت آمنة، لينتقل الطفل باكيًا إلى:
كنف الجد عبد المطلب
عاد صغير الآلام إلى الجد العطوف الذي رق له رقة شديدة، فجعله مقدماً على أولاده وبنيه. كان لعبد المطلب فراش لا يجلس عليه غيره إجلالاً له، إلا محمد الصغير. وتمر الأيام، ويبلغ الصغير ثمان سنين، ليموت عبد المطلب، ويوصي بأن يكون الصغير عند:
رعاية العم أبي طالب
نهض أبو طالب برعاية اليتيم على أكمل وجه، وضمه إلى بنيه وقدمه عليهم. وذات مرة، أصابت قريش سنوات عجاف، فطلبوا من أبي طالب أن يستسقي لهم، فكان:
أبيض يستسقى الغمام بوجهه
خرج أبو طالب يستسقي ومعه الغلام الصغير، فألصق ظهره بالكعبة واستسقى، فأنزل الله المطر. ويبلغ النبي الكريم اثنتي عشرة سنة، وفي صيف حار تحركت ركائب قريش نحو الشام، فكانت قصة:
بُحيرى الراهب
ارتحل أبو طالب بقومه ومعه محمد صلى الله عليه وسلم، فلما وصلوا إلى بُصرى، خرج إليهم بحيرى الراهب، وتخللهم حتى جاء إلى الفتى الصغير وأخذ بيده وقال: “هذا سيد العالمين! هذا رسول رب العالمين!” ثم سأل أبا طالب ألا يذهب به إلى الشام خوفًا عليه من الروم واليهود، فرده أبو طالب بغلمان معه إلى مكة.
رعي الغنم
شب النبي الكريم، وجاءت الروايات بأن مهنته كانت رعي الغنم في بني سعد ثم في مكة.
نوازع نفس محمد صلى الله عليه وسلم
يقول النبي الكريم عن نفسه في تلك الفترة: “ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء، إلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله تعالى منهما.” إنها الرعاية الربانية.
حرب الفِجَار
ليبلغ النبي الكريم عشرين عامًا، ليشهد حربًا وقعت في شهر حرام، فتُسمى بـ “حرب الفِجَار”.
حلف الفضول
على أثر حرب الفجار حصل “حلف الفضول”، وهو حلف للخير والعدالة، شهد النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – هذا الحلف، وقال عنه بعد أن أكرمه الله بالنبوة: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت.”
الخروج للتجارة
ويبلغ النبي الكريم الخامسة والعشرين من عمره، ليخرج إلى التجارة.
و أخيراً وليس آخراً:
إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كانت مليئة بالتحديات والتهيئات الربانية، مما جعله قائداً فذاً ورسولاً عظيماً. هذه الأحداث المبكرة تركت بصمات واضحة في شخصيته، وأهلته لحمل الرسالة وتبليغها. فهل يمكننا استلهام العبر من هذه المرحلة في حياته صلى الله عليه وسلم، وتطبيقها في حياتنا اليومية؟











