استقرار جنوب لبنان: التحركات الدولية ومستقبل الترتيبات الأمنية
يعد استقرار جنوب لبنان حجر الزاوية في معادلة الأمن الإقليمي حالياً، حيث تبرز التحركات الدبلوماسية الدولية، وبخاصة من الجانب البريطاني، كركيزة أساسية لدعم التهدئة وتثبيت دعائم السلام في المنطقة. ورغم الزخم الدبلوماسي، لا تزال طبيعة الدور الميداني لبريطانيا مرهونة بوضوح الرؤية حول الهيكلية الأمنية التي ستعقب ولاية قوات “اليونيفيل”.
وفي حديث خاص لـ بوابة السعودية، أكدت الخارجية البريطانية أن بوصلتها تتجه نحو تقليل التصعيد ووضع لبنات قوية لاستقرار طويل الأمد. كما شددت على ضرورة تمكين البعثات الأممية من ممارسة مهامها الراهنة بفاعلية، مع التزامها الكامل بالمسؤوليات الموكلة إليها لخلق بيئة معيشية آمنة للسكان المحليين.
مستقبل الترتيبات الأمنية بعد ولاية اليونيفيل
تمر المنطقة بمنعطف جوهري مع اقتراب نهاية تفويض بعثة “اليونيفيل” في أغسطس 2025. هذا الاستحقاق يضع المجتمع الدولي أمام اختبار صياغة واقع أمني جديد، يتشكل من خلال عدة مسارات استراتيجية تضمن استدامة استقرار جنوب لبنان:
- نقل المسؤوليات الميدانية: وضع خطط تنفيذية لتسليم الجيش اللبناني زمام المبادرة والسيطرة الكاملة على المناطق الحدودية.
- تأمين الفراغ الأمني: تكثيف التنسيق الدولي لسد أي ثغرات قد تظهر عقب انسحاب القوات الدولية، منعاً لأي تدهور مفاجئ.
- تطوير القدرات العسكرية: توجيه الدعم اللوجستي والفني للجيش اللبناني لتعزيز جاهزيته في فرض سيادة الدولة وبسط سلطتها.
تاريخياً، شكلت “اليونيفيل” منذ عام 1978، وبتوسيع مهامها عقب أحداث 2006، الضمانة الأساسية للاستقرار؛ حيث لعبت دوراً محورياً في مراقبة وقف إطلاق النار، وتسهيل انتشار القوى الأمنية الوطنية، وتأمين وصول المساعدات الإغاثية للمناطق المتضررة.
المسار التفاوضي والاتفاق الإطاري
بالتوازي مع الحراك الميداني، يتبلور مسار سياسي يحظى بغطاء دولي واسع، أفضى في منتصف عام 2026 إلى بلورة اتفاق إطاري لإنهاء الصراع. يرتكز هذا الاتفاق على استراتيجية أمنية شاملة تتضمن ثلاثة محاور رئيسية:
- خطة الانسحاب المنظم: اعتماد جدول زمني لإجلاء القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة عبر مراحل مدروسة لضمان الانتقال السلس.
- مركزية السلاح: تفعيل منظومة رقابية دقيقة لضمان أن يكون السلاح محصوراً في يد المؤسسة العسكرية الرسمية، ومعالجة كافة المظاهر المسلحة غير القانونية.
- التطبيق التجريبي: البدء بإنفاذ سلطة الجيش الحصرية في بلدة زوطر الغربية كنموذج ريادي، تمهيداً لتعميم هذه التجربة على كافة القرى والبلدات الجنوبية.
التحديات الراهنة أمام الاستقرار
على الرغم من وضوح الرؤية النظرية للحل، إلا أن التطبيق الفعلي يواجه تعقيدات جيوسياسية متشابكة؛ فالمخزونات العسكرية لا تزال موجودة، بالتزامن مع استمرار التمركز الإسرائيلي في نقاط استراتيجية بالجنوب. هذه الظروف تضع ضغوطاً كبيرة على فرص نجاح الاتفاق وقدرة الجيش على الانتشار في المناطق الأكثر حساسية.
إن هذا التحول في هوية القوى الأمنية المسؤولة يفتح الباب أمام تساؤلات حيوية: إلى أي مدى يمكن للجيش اللبناني الصمود منفرداً في إدارة هذا الملف الشائك؟ وهل ستنجح الالتزامات الدولية في تحويل هذه التفاهمات إلى واقع مستقر يطوي صفحة عقود من الصراعات الحدودية المريرة؟






