جمعية الاقتصاد الاجتماعي ودورها المحوري في تنمية القطاع غير الربحي بالمملكة
تتجسد رؤية المملكة العربية السعودية الطموحة، في سعيها الدؤوب نحو تنويع مصادر الدخل وتطوير مجتمع حيوي، في دعم مختلف القطاعات التي تسهم في تحقيق التنمية الشاملة. ويُعد الاقتصاد الاجتماعي ركيزة أساسية ضمن هذا التوجه، حيث يمثل نموذجاً يوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، ويهدف إلى تحقيق أثر مستدام يعود بالنفع على الفرد والمجتمع. في هذا السياق، برز دور الكيانات غير الربحية كشريك فاعل في مسيرة التنمية، ومن بينها جمعية متخصصة تأسست لتلعب دوراً محورياً في هذا المجال.
نشأة وتأسيس جمعية الاقتصاد الاجتماعي: رؤية مستقبلية
تأسست جمعية الاقتصاد الاجتماعي كجمعية أهلية غير ربحية في عام 1441هـ (2020م)، على يد نخبة من الخبراء والمختصين الذين أدركوا أهمية هذا القطاع الحيوي في تعزيز التنمية المستدامة. جاءت هذه المبادرة في وقت تتزايد فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، مما استدعى تضافر الجهود لتقديم حلول مبتكرة ومستدامة. يقع المقر الرئيسي للجمعية في مدينة الرياض، وتحمل ترخيصاً رسمياً من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية برقم (1778)، مما يؤكد شرعيتها والتزامها بالأطر التنظيمية.
منذ تأسيسها، اتخذت الجمعية على عاتقها مسؤولية مساندة مختلف القطاعات غير الربحية في المملكة. تتجلى هذه المساندة في إجراء دراسات معمقة ومبادرات نوعية تركز على العلاقة التبادلية بين الاقتصاد والمجتمع. وتهدف جهودها إلى تعزيز الآثار الإيجابية للمنتجات الاجتماعية على الصعيدين الاقتصادي والمالي، وذلك عبر تقديم استشارات متخصصة، برامج تدريبية متطورة، وأبحاث تطبيقية تثري المعرفة في هذا المجال.
الأهداف الاستراتيجية لجمعية الاقتصاد الاجتماعي
تتبنى جمعية الاقتصاد الاجتماعي مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تشكل بوصلة لعملها، وتسعى من خلالها إلى تحقيق أثر مجتمعي واقتصادي ملموس:
1. تحليل القرارات الاقتصادية وآثارها الاجتماعية
تهدف الجمعية إلى دراسة وتحليل عميق للقرارات الاقتصادية المختلفة، وتقييم آثارها المتعددة على النسيج الاجتماعي. يتضمن ذلك فهم كيفية تأثير السياسات الاقتصادية على الفئات المختلفة من المجتمع، ومدى مساهمتها في تحقيق العدالة الاجتماعية والازدهار المشترك.
2. تأثير القيم والحوافز الأخلاقية على السلوك الاقتصادي
تركز الجمعية أيضاً على استكشاف تأثير قيم المجتمع الأصيلة والحوافز الأخلاقية على السلوك الاقتصادي والمالي للأفراد والمؤسسات. يُسهم هذا الفهم في بناء نماذج اقتصادية أكثر استدامة وأخلاقية، تتوافق مع تطلعات المجتمع وتحقق مصالحه العليا.
3. رفع الوعي بالمسؤولية الاجتماعية للقرارات المالية والاقتصادية
تعمل الجمعية جاهدة على رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن تتحلى بها القرارات المالية والاقتصادية. يُعد هذا الوعي ضرورياً لتعزيز الممارسات الاقتصادية المسؤولة التي تراعي الأبعاد البيئية والاجتماعية، ولا تقتصر على تحقيق الأرباح المادية فحسب.
4. تنمية منتجات مسؤولة اجتماعيًا
تسعى الجمعية إلى تنمية وتطوير منتجات وخدمات تتميز بمسؤوليتها الاجتماعية، بحيث تحقق قيمة اقتصادية وتساهم في الوقت ذاته في معالجة قضايا مجتمعية أو بيئية. يعزز هذا التوجه الابتكار الاجتماعي ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار ذي الأثر.
5. تعظيم أثر الاستدامة المالية للمؤسسات غير الربحية
من الأهداف المحورية للجمعية تعظيم أثر الاستدامة المالية للمؤسسات غير الربحية. فقدرة هذه المؤسسات على الاستمرار في تقديم خدماتها تعتمد بشكل كبير على مواردها المالية. لذا، تقدم الجمعية الدعم اللازم لتمكين هذه الكيانات من بناء نماذج تمويل مستدامة تضمن استمراريتها وفعاليتها.
الخدمات المتكاملة لجمعية الاقتصاد الاجتماعي
تقدم جمعية الاقتصاد الاجتماعي باقة متنوعة من الخدمات المصممة لتعزيز التفاعل بين القطاعات المختلفة وتحقيق التنمية المستدامة:
1. الدراسات التطبيقية والتحليل الاقتصادي-الاجتماعي
تجري الجمعية دراسات تطبيقية متخصصة تهدف إلى تحليل العلاقة التبادلية بين القرارات الاقتصادية والقضايا الاجتماعية. وتسعى هذه الدراسات إلى تحقيق أقصى استفادة وتكامل بين الجهات الحكومية والخاصة والقطاع غير الربحي، مما يعزز تبادل الخبرات والمعارف.
2. مبادرات وحلول اقتصادية ومالية مبتكرة
تقترح الجمعية مبادرات وحلولاً اقتصادية ومالية مبتكرة تخدم القضايا الاجتماعية ذات الصلة، وتركز بشكل خاص على مجالات الاقتصاد والتمويل الجماعي والاستثمار الاجتماعي. تسعى هذه الحلول إلى سد الفجوات التنموية وتوفير فرص جديدة للنمو.
3. برامج تدريبية وتطوير القدرات
تُقدم الجمعية دورات تدريبية متخصصة في مجالات حيوية مثل تطوير المنتجات المالية والاستثمارات الجماعية، وتأسيس وإدارة الجمعيات التعاونية والصناديق العائلية. كما تُعنى بترشيد القرارات الاقتصادية والمالية للأسر السعودية، مما يعزز الاستقرار المالي والاجتماعي.
4. الفعاليات ونشر المعرفة
تُنظم الجمعية وتُشارك في إقامة الندوات والفعاليات المحلية والدولية، التي تُعد منصات لتبادل الخبرات والمعارف وأفضل الممارسات. كما تساهم بفاعلية في نشر وإنتاج المواد الإعلامية المتخصصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتُصدر الكتب والمطبوعات المتخصصة في مجال الاقتصاد الاجتماعي، لتعزيز الوعي والمعرفة.
و أخيرا وليس آخرا
لقد استعرضنا في هذا المقال الدور المحوري الذي تضطلع به جمعية الاقتصاد الاجتماعي في المملكة العربية السعودية، ككيان غير ربحي يسعى إلى تعزيز التنمية المستدامة من خلال ربط القرارات الاقتصادية بالآثار الاجتماعية. من تأسيسها في عام 1441هـ، وحتى اليوم، عملت الجمعية على تحقيق أهداف طموحة تتراوح بين تحليل السياسات الاقتصادية وتأثيرها الاجتماعي، ورفع الوعي بالمسؤولية الاجتماعية، وصولاً إلى تقديم خدمات متكاملة من الدراسات والتدريب والمبادرات.
إن هذا النموذج من العمل المؤسسي يعكس التزام المملكة ببناء مجتمع متكامل يوازن بين النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي. ولكن، هل يمكننا القول إن هذه الجهود كافية لمواجهة التحديات المتزايدة في عالم يتغير بسرعة؟ وما هو الدور المستقبلي المتوقع من هذه الجمعيات في تشكيل اقتصاد اجتماعي أكثر مرونة وتأثيراً في ظل التحولات الاقتصادية والتقنية العالمية؟ هذه تساؤلات تفتح آفاقاً للتفكير في مستقبل العمل الاجتماعي والاقتصادي في المملكة وخارجها.











